حسنة في إبراهيم والذين معه… ( [الممتحنة: 4] الآية، ومعنى قوله: ) بدا ( أي ظهر وبان والمراد التصريح باستمرار العداوة والبغضاء لمن يوحد ربّه، فمن حقق ذلك علماً وعملاً الشيخ حمد بن عتيق في الدرر السنية عند كلامه على قوله تعالى: ) قد كانت لكم وصرح به حتى يعلمه منه أهل بلده لم تجب عليه الهجرة من أي بلد كان، وأما من لم يكن كذلك بل ظن أنه إذا تُرك يصلي ويصوم ويحج سقطت عنه الهجرة، فهذا من الجهل بالدين وغفول عن زبدة رسالة المرسلين…" اهـ. ص199 من جزء الجهاد وهذا القسم من الناس إذا صدع بالحق وهُدّد بالقتل والتعذيب وليس ثَمّ بلد يهاجر إليها فله أسوة حسنة في أهل الكهف الذين شحّوا بدينهم وفرّوا به إلى الجبال.. وأسوة أخرى بأصحاب الأخدود الذين حرقوا في سبيل عقيدتهم وتوحيدهم وما وهنوا وما استكانوا.. وأسوة بأصحاب النبي الذين هاجروا وجاهدوا وقاتلوا وقتلوا وكفى بربك هادياً ونصيراً.
ولولاهم كادت تميد بأهلهـا ولكن رواسيها وأوتادها هم
ولولاهم كانت ظلاماً بأهلها ولكن هم فيها بدورٌ وأنجم
* أو رجل أقل منزلة من الأول لا يقدر على هذه الطريق المحفوفة بالمكاره، ويخاف على دينه ولا يطيق الصدع بذلك.. فهو يعتزل بغنيمات له يتبع بهن مواقع القطر وشعب الجبال يعبد الله ويفر بدينه من الفتن..
* أو رجل مستضعف مغلق عليه بيته مقبل على خاصة أمره يسعى في نجاتهم ووقايتهم من الشرك وأهله ومن نار وقودها الناس والحجارة.. يتجنب الكفار ويعرض عنهم، ولا يظهر الرضى عن باطلهم ولا يؤيده بأي صورة من الصور.. ولا بد لهذا من أجل سلامة توحيده. أن يبقى قلبه مطمئناً بالعداوة والبغضاء للشرك والمشركين ينتظر زوال المانع.. ويتحين الفرص للفرار بدينه والهجرة إلى بلد أهون شراً.. يظهر بها دينه، كهجرة المهاجرين إلى الحبشة.
* أو آخر مظهر للرضى عن أهل الباطل مداهن لإفكهم وضلالهم فهذا له ثلاث حالات ذكرها الشيخ ابن عتيق في سبيل النجاة والفكاك ص62 فقال:
"الحالة الأولى: أن يوافقهم في الظاهر والباطن فهذا كافر خارج من الإسلام. سواء أكان مكرهاً أم غير مكره، فهو ممن قال الله فيه: ) ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ( [النحل: 106].
الحالة الثانية: أن يوافقهم ويميل إليهم في الباطن، مع مخالفتهم في الظاهر، فهذا ً كافر أيضاً، وهم المنافقون.
الحالة الثالثة أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو على وجهين: أحدهما: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم له وتهديده بالقتل، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان كما جرى لعمّار قال تعالى: ) إلا من أُكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان ( [النحل: 106]".
قلت: وينبغي لمثل هذا كما قدمنا أن يسعى دوماً مثل المستضعفين من أصحاب النبي e للفرار بدينه ويدعو دوماً: ) ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً ( [النساء: 75].
ثم قال: "الوجه الثاني: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحة بوطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال فإنه في هذه الحالة يكون مرتداً ولا ينفعه كراهته لهم في الباطن وهو ممن قال الله فيهم: ) ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وإن الله لا يهدي القوم الكافرين ( [النحل: 107]، فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل أو بغضه، ولا محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظاً من حظوظ الدنيا آثروه على الدين.. قال: وهذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى".
* قلت: معنى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أشار إليه ابن عتيق موجود في مواضع كثيرة من كتبه ورسائله، من ذلك على سبيل المثال قوله ص42 في مجموعة الرسائل النجدية: "اعلم أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله أو صار مع المشركين على الموحدين ولم يشرك، أكثر من أن تحصى من كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء. وأنا أذكر لك آية من كلام الله أجمع أهل العلم على تفسيرها وأنها في المسلمين وأن الرجل إذا قال ذلك فهو كافر في أي زمان كان، قال الله تعالى: ) من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ( [النحل: 106] الآية، وفيها ذكر أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة لما فتنهم أهل مكة وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفاً منهم فهو كافر بعد إيمانه".
وهو مطابق لكلام الشيخ ابن عتيق السابق وكلام الشيخ سليمان الآتي بعده.. وهو كلام خطير، أعلم علم اليقين بأنه لو كان من كلامنا وليس من كلام هؤلاء الأئمة الأعلام لقيل: خوارج وتكفير.. مع أن الآية نص واضح عليه.. وهذه القضية تختلف عن قضية الإكراه على كلمة الكفر التي يُعذر صاحبها، فنحن هاهنا مع أناس لم يُكرهوا ولم يُضربوا ولم يُعذبوا وإنما حملهم على إظهار الموافقة والولاء للمشركين، حب الدنيا والخوف عليها والطمع بالمال والمشحة بالمسكن (والأرض والقرض كما يقولون) فهو استحباب للحياة الدنيا على الآخرة واشتراء لمتاعها الزائل ببذل الدين والتوحيد والعقيدة.. ربما تستروا مع ذلك بالإكراه وادعوا الضرورات وليسوا في الحقيقة من أهلها، لذا قال تعالى في سورة آل عمران بعدما نهى عن موالاة أعدائه وأباح التقية للمكره الحقيقي، قال محذّراً: ) ويُحذّركم الله نفسه وإلى الله المصير * قل إن تخفوا ما صدوركم أو تبدوه يعلمه الله… ( [آل عمران: 28-29]، وقال في الآية التي تلتها مباشرة: ) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويُحذركم الله نفسه.. ( [آل عمران: 30]، وهذا من أعظم الوعيد والتهديد لمن تدبّر كتاب الله وعقله.. ولكن من يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً.. ذلك أن كثيراً ممن لاخلاق لهم يتعذّرون بالإكراه وليسوا من أهله.. وقد ذكر العلماء شروطاً لصحة الإكراه منها:
- أن يكون المكره (بكسر الراء) قادراً على إيقاع ما يُهدد به، والمأمور المكرهَ عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار..
- أن يغلب على ظنّه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.
- أن يكون ما هُدّد به فورياً، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غداً، لا يعد مكرهاً.
- أن لا يظهر من المأمور ما يدل على تماديه بأن يعمل زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء.
* كما فرّقوا فيما يُهدّد به المكره ويُخوّف بين الإكراه على المعاصي، وبين الإكراه على قول كلمة الكفر أو موالاة الكفار وأمثاله، فلم يُجوّزوا الثاني إلا لمن عُذّب عذاباً لا طاقة له به، وذكروا القتل والتحريق بالنار وقطع الأعضاء والتخليد في السجن وأمثال ذلك، وعمار رضي الله عنه هو الذي نزلت بسببه آيات التقية، ومعروف أنه لم يقل ما قال إلا بعدما رأى مقتل أمه وأبيه، وبعدما ذاق من العذاب ألواناً، فكسرت ضلوعه وأوذي في الله أذىً شديداً.. وأكثر هؤلاء المتعذّرين بالتقية ممن أوضعوا في الفتنة وغرقوا في الباطل والشرك لم ينلهم عشر معشار ما ناله.. ولكن كما قلنا سابقاً؛ من يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً..
أضف إلى هذا أن أهل العلم يذكرون مع ذلك في أبواب الإكراه على كلمة الكفر؛ أن الأخذ بالعزيمة والصبر على الأذى واحتساب الأجر عند الله تعالى أعظم وأفضل، وهذه مواقف الصحابة وتابعيهم والأئمة شاهدة بذلك فبأمثال هذه المواقف يكون إظهار الدين وإعزازه، وانظر صحيح البخاري باب (من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر) والشواهد في ذلك كثيرة وكذا مواقف الأئمة أكثر من أن تحصى كموقف الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن وغيرها كثير…
ويذكرون قوله تعالى: ) ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ( [العنكبوت: 10].
كما يذكرون أن التخيير ينافي الإكراه وذلك كحال شعيب عليه السلام مع قومه إذ خيّروه بين العودة إلى الكفر أو الخروج من قريتهم، ولم يجوّزوا لذلك الاستجابة وإظهار الكفر في هذه الحالة. وإنما سردنا هذا كله ليعلم من وهبه الله نعمة العقل والتوحيد غربة هذا الدين في زماننا وغربة دعاته وأهله الذين يعرفونه حق المعرفة… وأن أكثر الناس اليوم قد دخلوا في دين الحكومات ودين الطواغيت مختارين بلا إكراه حقيقي، وإنما استحباباً للحياة الدنيا ومساكنها وأموالها ومتاعها ومناصبها على دين الله، وبذلوه وباعوه بأبخس الأثمان، فإياك أن تكون منهم فتصبح من النادمين..
* وبهذا وأمثاله يزول ما قد يستغربه ويستهجنه كثير من الناس من قول الشيخ ابن عتيق هذا فيمن وافق المشركين في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو ليس في سلطانهم وإنما حمله على ذلك ما ذكر من الدنيا وليس الإكراه.. وقوله: "مع مخالفته لهم في الباطن" يقصد به والله أعلم: (بحسب زعمه) وإلا فكيف نعلم ونطلع على حقيقة باطنه في حاله تلك، إلا عن طريق الوحي كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة.. والله عز وجل لم يكلفنا بالبواطن بل نحكم بالظاهر.. فكما أننا نكف سيوفنا عمّن أبطن النفاق وأبدى موالاة الإسلام وأظهر شعائره، فكذلك نُعملها في هامِ من أظهر موالاة الكفار وشايعهم وانحاز لهم، وإن زعم أنه يبطن الإسلام.. فالله عز وجل تعبّدنا في أحكام الدنيا بالظواهر وهو وحده سبحانه الذي يتولى السرائر ويعلم الصادق من الكاذب، فيحاسب الناس على أعمالهم ويبعثهم على نياتهم كما في حديث أم المؤمنين المتفق عليه في الجيش الذي يُخسف به وفيه المستبصر والمجبور، فيهلكهم الله جميعاً في الدنيا ويبعثهم على نياتهم يوم القيامة… وهذا معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صحيح البخاري: "إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله e فمن أظهر لنا خيراً أمّنّاه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته. ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنْه ولم نُصدّقه وإن قال إن سريرته حسنة".
وهكذا كان أمر النبي e في تعاملاته مع الناس في الحروب وغيرها، فها هو العباس بن عبد المطلب وقد كان يدّعي الإسلام وينتسب إليه، انظر على سبيل المثال (88 و89 و91/6) من مجمع الزوائد، و(ص242-246/4) من مشكل الآثار وغيره.. ولكنه بقي في مكة وهي دار كفر آنذاك ولم يهاجر إلى دار الإسلام وخرج مع المشركين يوم بدر، فأسره المسلمون وعاملوه على ظاهره لا بما زعمه وادعاه من إبطان الإسلام، لأنه خرج في صفوف المشركين يكثر سوادهم، وروي أنه زعم أنه كان مكرهاً في الخروج معهم كما في بعض الآثار المشار إليها آنفاً، وفي بعضها أن النبي e قال له عندما رآه يتعذّر بالإكراه ويدعي الإسلام: "الله أعلم بشأنك إن يك ما تدعي حقاً فالله يجزيك بذلك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك.." رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات، إلا أن فيه راوٍ لم يُسم، وعلى كل حال يكفينا في هذا ما هو ثابت في صحيح البخاري وغيره، من أن النبي e عامله بظاهر أمره ولم يطلقه إلا بعدما فدى نفسه كبقية الأسرى المشركين.. ولعل من هذا الباب أيضاً ما جاء في صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة الرجل من بني عقيل الذي كان من حلفاء ثقيف أسر ولم يطلقه النبي e رغم ادعائه الإسلام، انظره في مختصر المنذري تحت رقم (1008)..
فعلم من هذا كله أننا مكلفون في معاملاتنا وأحكامنا في الدنيا بالظاهر دون الباطن، وهذا من فضل الله عز وجل علينا وإلا لأمسى الإسلام وأهله ألعوبة وأضحوكة لكل جاسوس وخبيث وزنديق. ومن هذا الباب قصة حاطب وما كان من صنيعه عام الفتح.. فالأصل أن يُحكم على ظاهر من عمل مثل عمله بالكفر وأن يجري المسلمون عليه ما يستوجب ظاهره من الأحكام في الدنيا كالقتل والأسر، ومن طالع حال المرتدين وأقسامهم وبعض حججهم وتأويلاتهم، وحجج من خُدع منهم بشهود الرجال على نبوة مسيلمة وقصة ثمامة واليشكري وما إلى ذلك.. وكيف أن الصديق عاملهم جميعاً بالظاهر. فأعمل فيهم القتل والأسر.. وأن هذا كان من أعظم فضائله ومناقبه وحسناته؛ عرف صحة ما نقصده ونرمي إليه، ويراجع في ذلك كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فهو كثير في هذا الباب.. انظر على سبيل المثال المواضيع الستة التي ذكرها في مقدمة السيرة وغيرها كثير.. وهذا هو تماماً ما فهمه عمر رضي الله عنه في قصة حاطب وصرّح به في حضرة النبي e، ومعلوم أن النبي e لم ينكر على عمر هذا الفهم، ولا قال له e في ذلك المقام: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما"، بل أقر حكمه ولم ينكره فيمن ليس له مانع كمانع حاطب، وزكى لنا باطن حاطب بقوله: "وما يدريك لعل الله قد اطّلع على أهل بدر.." إلخ، وقد قال حاطب رضي الله عنه كما جاء في البخاري وغيره: "ما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً ولا رضى بالكفر بعد الإسلام" فقال e مزكياً له: "قد صدقكم".. والمبادرة إلى هذا القول منه رضي الله عنه من أظهر الأدلة على أن الصحابة قد كان مستقراً في نفوسهم أن الأصل في ظاهر هذا العمل أن يكون ردّة وكفراً.. وفي رواية أبي يعلى وأحمد قال: "أما إني لم أفعله غشاً لرسول الله e ولا نفاقاً، قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له نوره" وفي رواية أخرى لهما أيضاً: "أما والله يا رسول الله ما تغيّر الإيمان من قلبي.." انظر مجمع الزوائد (306/9) وتأمل قول النبي e في رواية البخاري: "قد صدقكم" فهذا الصحابي البدري قد استثناه النبي e وزكّاه وشهد بصدق سريرته وباطنه وأنه لم يفعل ذلك ردة وكفراً بل كانت منه كبيرة من كبائر الذنوب اغتفرت في مقابل كونه بدرياً.. فهل في المهوّنين من شأن موالاة الكفار المتنطعين بقصة حاطب هل فيهم اليوم على وجه الأرض بدرياً اطلع الله على قلبه، ليجعلوا هذا الفعل كبيرة على الإطلاق ويتهاونوا فيه ويتساقطوا تساقطاً..؟؟






















