Yahoo!

ملة ابراهيم 7

كتبها عكاشة ابن محصن ، في 19 أغسطس 2007 الساعة: 22:13 م

حسنة في إبراهيم والذين معه… (  [الممتحنة: 4] الآية، ومعنى قوله:     ) بدا (  أي ظهر وبان والمراد التصريح باستمرار العداوة والبغضاء لمن يوحد ربّه، فمن حقق ذلك علماً وعملاً الشيخ حمد بن عتيق في الدرر السنية عند كلامه على قوله تعالى: ) قد كانت لكم وصرح به حتى يعلمه منه أهل بلده لم تجب عليه الهجرة من أي بلد كان، وأما من لم يكن كذلك بل ظن أنه إذا تُرك يصلي ويصوم ويحج سقطت عنه الهجرة، فهذا من الجهل بالدين وغفول عن زبدة رسالة المرسلين…" اهـ.   ص199 من جزء الجهاد وهذا القسم من الناس إذا صدع بالحق وهُدّد بالقتل والتعذيب وليس ثَمّ بلد يهاجر إليها فله أسوة حسنة في أهل الكهف الذين شحّوا بدينهم وفرّوا به إلى الجبال.. وأسوة أخرى بأصحاب الأخدود الذين حرقوا في سبيل عقيدتهم وتوحيدهم وما وهنوا وما استكانوا.. وأسوة بأصحاب النبي الذين هاجروا وجاهدوا وقاتلوا وقتلوا وكفى بربك هادياً ونصيراً.

ولولاهم كادت تميد بأهلهـا        ولكن رواسيها وأوتادها هم

ولولاهم كانت ظلاماً بأهلها ولكن هم فيها بدورٌ وأنجم

* أو رجل أقل منزلة من الأول لا يقدر على هذه الطريق المحفوفة بالمكاره، ويخاف على دينه ولا يطيق الصدع بذلك.. فهو يعتزل بغنيمات له يتبع بهن مواقع القطر وشعب الجبال يعبد الله ويفر بدينه من الفتن..

* أو رجل مستضعف مغلق عليه بيته مقبل على خاصة أمره يسعى في نجاتهم ووقايتهم من الشرك وأهله ومن نار وقودها الناس والحجارة.. يتجنب الكفار ويعرض عنهم، ولا يظهر الرضى عن باطلهم ولا يؤيده بأي صورة من الصور.. ولا بد لهذا من أجل سلامة توحيده. أن يبقى قلبه مطمئناً بالعداوة والبغضاء للشرك والمشركين ينتظر زوال المانع.. ويتحين الفرص للفرار بدينه والهجرة إلى بلد أهون شراً.. يظهر بها دينه، كهجرة المهاجرين إلى الحبشة.

* أو آخر مظهر للرضى عن أهل الباطل مداهن لإفكهم وضلالهم فهذا له ثلاث حالات ذكرها الشيخ ابن عتيق في سبيل النجاة والفكاك ص62 فقال:

"الحالة الأولى: أن يوافقهم في الظاهر والباطن فهذا كافر خارج من الإسلام. سواء أكان مكرهاً أم غير مكره، فهو ممن قال الله فيه: ) ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (  [النحل: 106].

الحالة الثانية: أن يوافقهم ويميل إليهم في الباطن، مع مخالفتهم في الظاهر، فهذا ً كافر أيضاً، وهم المنافقون.

الحالة الثالثة أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو على وجهين: أحدهما: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم له وتهديده بالقتل، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان كما جرى لعمّار قال تعالى: ) إلا من أُكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان (  [النحل: 106]".

قلت: وينبغي لمثل هذا كما قدمنا أن يسعى دوماً مثل المستضعفين من أصحاب النبي e للفرار بدينه ويدعو دوماً: ) ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً (  [النساء: 75].

ثم قال: "الوجه الثاني: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحة بوطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال فإنه في هذه الحالة يكون مرتداً ولا ينفعه كراهته لهم في الباطن وهو ممن قال الله فيهم: ) ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وإن الله لا يهدي القوم الكافرين (  [النحل: 107]، فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل أو بغضه، ولا محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظاً من حظوظ الدنيا آثروه على الدين.. قال: وهذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى".

* قلت: معنى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أشار إليه ابن عتيق موجود في مواضع كثيرة من كتبه ورسائله، من ذلك على سبيل المثال قوله ص42 في مجموعة الرسائل النجدية: "اعلم أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله أو صار مع المشركين على الموحدين ولم يشرك، أكثر من أن تحصى من كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء. وأنا أذكر لك آية من كلام الله أجمع أهل العلم على تفسيرها وأنها في المسلمين وأن الرجل إذا قال ذلك فهو كافر في أي زمان كان، قال الله تعالى: ) من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (  [النحل: 106] الآية، وفيها ذكر أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة لما فتنهم أهل مكة وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفاً منهم فهو كافر بعد إيمانه".

وهو مطابق لكلام الشيخ ابن عتيق السابق وكلام الشيخ سليمان الآتي بعده.. وهو كلام خطير، أعلم علم اليقين بأنه لو كان من كلامنا وليس من كلام هؤلاء الأئمة الأعلام لقيل: خوارج وتكفير.. مع أن الآية نص واضح عليه.. وهذه القضية تختلف عن قضية الإكراه على كلمة الكفر التي يُعذر صاحبها، فنحن هاهنا مع أناس لم يُكرهوا ولم يُضربوا ولم يُعذبوا وإنما حملهم على إظهار الموافقة والولاء للمشركين، حب الدنيا والخوف عليها والطمع بالمال والمشحة بالمسكن (والأرض والقرض كما يقولون) فهو استحباب للحياة الدنيا على الآخرة واشتراء لمتاعها الزائل ببذل الدين والتوحيد والعقيدة.. ربما تستروا مع ذلك بالإكراه وادعوا الضرورات وليسوا في الحقيقة من أهلها، لذا قال تعالى في سورة آل عمران بعدما نهى عن موالاة أعدائه وأباح التقية للمكره الحقيقي، قال محذّراً: ) ويُحذّركم الله نفسه وإلى الله المصير * قل إن تخفوا ما صدوركم أو تبدوه يعلمه الله… (     [آل عمران: 28-29]، وقال في الآية التي تلتها مباشرة: ) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويُحذركم الله نفسه.. (  [آل عمران: 30]، وهذا من أعظم الوعيد والتهديد لمن تدبّر كتاب الله وعقله.. ولكن من يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً.. ذلك أن كثيراً ممن لاخلاق لهم يتعذّرون بالإكراه وليسوا من أهله.. وقد ذكر العلماء شروطاً لصحة الإكراه منها:

- أن يكون المكره (بكسر الراء) قادراً على إيقاع ما يُهدد به، والمأمور المكرهَ عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار..

- أن يغلب على ظنّه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.

- أن يكون ما هُدّد به فورياً، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غداً، لا يعد مكرهاً.

- أن لا يظهر من المأمور ما يدل على تماديه بأن يعمل زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء.

* كما فرّقوا فيما يُهدّد به المكره ويُخوّف بين الإكراه على المعاصي، وبين الإكراه على قول كلمة الكفر أو موالاة الكفار وأمثاله، فلم يُجوّزوا الثاني إلا لمن عُذّب عذاباً لا طاقة له به، وذكروا القتل والتحريق بالنار وقطع الأعضاء والتخليد في السجن وأمثال ذلك، وعمار رضي الله عنه هو الذي نزلت بسببه آيات التقية، ومعروف أنه لم يقل ما قال إلا بعدما رأى مقتل أمه وأبيه، وبعدما ذاق من العذاب ألواناً، فكسرت ضلوعه وأوذي في الله أذىً شديداً.. وأكثر هؤلاء المتعذّرين بالتقية ممن أوضعوا في الفتنة وغرقوا في الباطل والشرك لم ينلهم عشر معشار ما ناله.. ولكن كما قلنا سابقاً؛ من يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً..

أضف إلى هذا أن أهل العلم يذكرون مع ذلك في أبواب الإكراه على كلمة الكفر؛ أن الأخذ بالعزيمة والصبر على الأذى واحتساب الأجر عند الله تعالى أعظم وأفضل، وهذه مواقف الصحابة وتابعيهم والأئمة شاهدة بذلك فبأمثال هذه المواقف يكون إظهار الدين وإعزازه، وانظر صحيح البخاري باب (من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر) والشواهد في ذلك كثيرة وكذا مواقف الأئمة أكثر من أن تحصى كموقف الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن وغيرها كثير…

ويذكرون قوله تعالى: ) ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله (  [العنكبوت: 10].

كما يذكرون أن التخيير ينافي الإكراه وذلك كحال شعيب عليه السلام مع قومه إذ خيّروه بين العودة إلى الكفر أو الخروج من قريتهم، ولم يجوّزوا لذلك الاستجابة وإظهار الكفر في هذه الحالة. وإنما سردنا هذا كله ليعلم من وهبه الله نعمة العقل والتوحيد غربة هذا الدين في زماننا وغربة دعاته وأهله الذين يعرفونه حق المعرفة… وأن أكثر الناس اليوم قد دخلوا في دين الحكومات ودين الطواغيت مختارين بلا إكراه حقيقي، وإنما استحباباً للحياة الدنيا ومساكنها وأموالها ومتاعها ومناصبها على دين الله، وبذلوه وباعوه بأبخس الأثمان، فإياك أن تكون منهم فتصبح من النادمين..

* وبهذا وأمثاله يزول ما قد يستغربه ويستهجنه كثير من الناس من قول الشيخ ابن عتيق هذا فيمن وافق المشركين في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو ليس في سلطانهم وإنما حمله على ذلك ما ذكر من الدنيا وليس الإكراه.. وقوله: "مع مخالفته لهم في الباطن" يقصد به والله أعلم: (بحسب زعمه) وإلا فكيف نعلم ونطلع على حقيقة باطنه في حاله تلك، إلا عن طريق الوحي كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة.. والله عز وجل لم يكلفنا بالبواطن بل نحكم بالظاهر.. فكما أننا نكف سيوفنا عمّن أبطن النفاق وأبدى موالاة الإسلام وأظهر شعائره، فكذلك نُعملها في هامِ من أظهر موالاة الكفار وشايعهم وانحاز لهم، وإن زعم أنه يبطن الإسلام.. فالله عز وجل تعبّدنا في أحكام الدنيا بالظواهر وهو وحده سبحانه الذي يتولى السرائر ويعلم الصادق من الكاذب، فيحاسب الناس على أعمالهم ويبعثهم على نياتهم كما في حديث أم المؤمنين المتفق عليه في الجيش الذي يُخسف به وفيه المستبصر والمجبور، فيهلكهم الله جميعاً في الدنيا ويبعثهم على نياتهم يوم القيامة… وهذا معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صحيح البخاري: "إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله e فمن أظهر لنا خيراً أمّنّاه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته. ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنْه ولم نُصدّقه وإن قال إن سريرته حسنة".

وهكذا كان أمر النبي e في تعاملاته مع الناس في الحروب وغيرها، فها هو العباس بن عبد المطلب وقد كان يدّعي الإسلام وينتسب إليه، انظر على سبيل المثال (88 و89 و91/6) من مجمع الزوائد، و(ص242-246/4) من مشكل الآثار وغيره.. ولكنه بقي في مكة وهي دار كفر آنذاك ولم يهاجر إلى دار الإسلام وخرج مع المشركين يوم بدر، فأسره المسلمون وعاملوه على ظاهره لا بما زعمه وادعاه من إبطان الإسلام، لأنه خرج في صفوف المشركين يكثر سوادهم، وروي أنه زعم أنه كان مكرهاً في الخروج معهم كما في بعض الآثار المشار إليها آنفاً، وفي بعضها أن النبي e قال له عندما رآه يتعذّر بالإكراه ويدعي الإسلام: "الله أعلم بشأنك إن يك ما تدعي حقاً فالله يجزيك بذلك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك.." رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات، إلا أن فيه راوٍ لم يُسم، وعلى كل حال يكفينا في هذا ما هو ثابت في صحيح البخاري وغيره، من أن النبي e عامله بظاهر أمره ولم يطلقه إلا بعدما فدى نفسه كبقية الأسرى المشركين.. ولعل من هذا الباب أيضاً ما جاء في صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة الرجل من بني عقيل الذي كان من حلفاء ثقيف أسر ولم يطلقه النبي e رغم ادعائه الإسلام، انظره في مختصر المنذري تحت رقم (1008)..

فعلم من هذا كله أننا مكلفون في معاملاتنا وأحكامنا في الدنيا بالظاهر دون الباطن، وهذا من فضل الله عز وجل علينا وإلا لأمسى الإسلام وأهله ألعوبة وأضحوكة لكل جاسوس وخبيث وزنديق. ومن هذا الباب قصة حاطب وما كان من صنيعه عام الفتح.. فالأصل أن يُحكم على ظاهر من عمل مثل عمله بالكفر وأن يجري المسلمون عليه ما يستوجب ظاهره من الأحكام في الدنيا كالقتل والأسر، ومن طالع حال المرتدين وأقسامهم وبعض حججهم وتأويلاتهم، وحجج من خُدع منهم بشهود الرجال على نبوة مسيلمة وقصة ثمامة واليشكري وما إلى ذلك.. وكيف أن الصديق عاملهم جميعاً بالظاهر. فأعمل فيهم القتل والأسر.. وأن هذا كان من أعظم فضائله ومناقبه وحسناته؛ عرف صحة ما نقصده ونرمي إليه، ويراجع في ذلك كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فهو كثير في هذا الباب.. انظر على سبيل المثال المواضيع الستة التي ذكرها في مقدمة السيرة وغيرها كثير.. وهذا هو تماماً ما فهمه عمر رضي الله عنه في قصة حاطب وصرّح به في حضرة النبي e، ومعلوم أن النبي e لم ينكر على عمر هذا الفهم، ولا قال له e في ذلك المقام: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما"، بل أقر حكمه ولم ينكره فيمن ليس له مانع كمانع حاطب، وزكى لنا باطن حاطب بقوله: "وما يدريك لعل الله قد اطّلع على أهل بدر.." إلخ، وقد قال حاطب رضي الله عنه كما جاء في البخاري وغيره: "ما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً ولا رضى بالكفر بعد الإسلام" فقال e مزكياً له: "قد صدقكم".. والمبادرة إلى هذا القول منه رضي الله عنه من أظهر الأدلة على أن الصحابة قد كان مستقراً في نفوسهم أن الأصل في ظاهر هذا العمل أن يكون ردّة وكفراً.. وفي رواية أبي يعلى وأحمد قال: "أما إني لم أفعله غشاً لرسول الله e ولا نفاقاً، قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له نوره" وفي رواية أخرى لهما أيضاً: "أما والله يا رسول الله ما تغيّر الإيمان من قلبي.." انظر مجمع الزوائد (306/9) وتأمل قول النبي e في رواية البخاري: "قد صدقكم" فهذا الصحابي البدري قد استثناه النبي e وزكّاه وشهد بصدق سريرته وباطنه وأنه لم يفعل ذلك ردة وكفراً بل كانت منه كبيرة من كبائر الذنوب اغتفرت في مقابل كونه بدرياً.. فهل في المهوّنين من شأن موالاة الكفار المتنطعين بقصة حاطب هل فيهم اليوم على وجه الأرض بدرياً اطلع الله على قلبه، ليجعلوا هذا الفعل كبيرة على الإطلاق ويتهاونوا فيه ويتساقطوا تساقطاً..؟؟

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ملة ابراهيم 6

كتبها عكاشة ابن محصن ، في 19 أغسطس 2007 الساعة: 22:11 م

فصــل

نعم.. إن ملة إبراهيم تكلف الكثير.. ولكن بها يتعلق نصر الله والفوز الكبير.. وبها يتميز الناس إلى فريقين.. فريق إيمان، وفريق كفر وفسوق وعصيان.. وبها يتضح أولياء الرحمن من أولياء الشيطان.. وهكذا كانت دعوة الأنبياء والمرسلين.. لم تكن عندهم هذه الأوضاع المرضية التي نعيشها اليوم من اختلاط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح، ومداهنة ومجالسة أهل اللحى لأهل الفسق والفجور وإكرامهم وتقديرهم وتقديمهم على أهل التقى والصلاح.. رغم إظهار أولئك بغض الدين وعداوته بصور شتى وتربصهم بأهله الدوائر.. بل كانت دعواتهم براءة واضحة من أقوامهم المعرضين عن شرع الله، وعداوة ظاهرة لمعبوداتهم الباطلة، لا التقاء في وسط الطريق ولا مداهنة ولا مجاملة في تبليغ شرع الله…

* واستمع إلى نوح في عمق الزمان، وهو يخاطب قومه وحيداً لا يخشى سلطانهم ولا طغيانهم.. يقول: ) يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت، فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم أقضوا إلي ولا تنظرون (  [يونس: 71].

وهل يقول مثل ذلك رجل مداهن لقومه… إنه كما يقول سيد قطب رحمه الله: "التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالىء يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، حتى ليُغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه، فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟…" اهـ. كان معه الله، وكفى بالله هادياً ونصيرا… وقد أمر الله تعالى نبيه محمداً e في مطلع هذه الآيات أن يتلو ذلك على قومه، فقال: ) واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه… (  [يونس: 71].

* وانظر إلى هود e وهو يواجه قومه الذين كانوا أشد الناس قوة وأعتاهم بطشاً، يواجههم وحده.. ولكن بثبات كثبات الجبال أو أشد.. استمع إليه وهو يعلن براءته واضحة جلية من شركياتهم ويسمعهم كلماته الخالدة: ) إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون، من دونه، فكيدون جميعاً ثم لا تنظرون (     [هود: 55]. يقول لهم ذلك وهو رجل واحد… كيدوني بعددكم وجيشكم وآلهتكم الباطلة.. ) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (  [هود: 56].

وإلى الذين يتشدقون بكثير من كلام سيد رحمه الله تعالى، في الوقت الذي يحرصون بل يتسابقون فيه على استجداء الطواغيت المعرضين عن شرع الله من أجل أن يحكموا شرع الله في بعض القضايا، أو كي يمنحوهم إذناً للدعوة إلى الله أو من أجل الحصول على مقاعد في مجالس الشرك والفسوق والعصيان… إلى هؤلاء نسوق كلام سيد حول هذه الآيات.. حيث يقول: "إنها انتفاضة التبرّؤ من القوم وقد كان منهم وكان أخاهم وانتفاضة الخوف من البقاء فيهم وقد اتخذوا غير طريق الله طريقاً.. وانتفاضة المفاصلة بين حزبين لا يلتقيان.. وهو يشهد الله ربه على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم. ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوههم، كي لا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره وخوفه أن يكون منهم!

وإن الإنسان ليدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراة هذه الثقة، فيسفّه عقيدتهم ويقرعهم عليها، ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي، لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريّثون فيفثأ غضبهم. إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وزمان بحاجة إلى أن يقفوا طويلاً أمام هذا (الموقف) الباهر.. رجل واحد، لم يؤمن معه إلا القليل، يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم.. فهم العتاة الجبارون الذين يبطشون بلا رحمة، والذين أبطرتهم النعمة، والذين يقيمون المصانع يرجون من ورائها الامتداد والخلود… إنه الإيمان والثقة والاطمئنان.. الإيمان بالله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى نصره.. ) إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم (  [هود: 56].. وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهراً.. فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها؟ وهي لا تسلط عليه إن سلطت إلا بإذن ربه؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه؟" أهـ مختصراً من الظلال.

هكذا كانت أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، مع أقوامهم المعاندين.. وهكذا كانت دعوتهم، صراع دائم مع الباطل، ووضوح في الدعوة، وإعلان للعداوة والبراءة.. ولم تعرف دعواتهم المداهنة أو الرضى عن بعض الباطل أو الالتقاء معه في وسط الطريق.

فمعاداة أهل الحق للباطل وأهله ومفارقتهم لهم قضية قديمة جداً افترضها الله منذ أن أهبط آدم e إلى هذه الأرض.. وشاءها الله قدراً وشرعاً ليتميز أولياؤه من أعدائه وحزبه من حربه والخبيث من الطيّب ويتخذ من المؤمنمين شهداء.. فقال جلّ وعلا: ) اهبطوا بعضكم لبعض عدو (  [الأعراف: 24]، وعلى هذا مضت وسارت قافلة الرسل جميعاً وهذا هو دينهم كما عرفت، قال تعالى: ) وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن (  [الأنعام: 112]، وقال سبحانه: ) وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين (  [الفرقان: 31]، فمنهم من قص الله علينا قصصهم مع أعدائهم ومنهم من لم يقصص… ويؤيد هذا أيضاً حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي e قال: "… والأنبياء أولاد علاّت.." والعلة هي الضرة مأخوذة من العلل وهي الشربة الثانية بعد الأولى: وكأن الزوج قد علّ منها بعد ما كان ناهلاً من الأخرى. وأولاد العلات أولاد الضرات من رجل واحد.. يؤيد أن الأنبياء أصل دينهم ودعوتهم وطريقهم واحد وفروعهم مختلفة.

* وهكذا كان خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وهو الذي جاء في وصفه أنه "فرق بين الناس" رواه البخاري، وفي رواية: "فرّق بين الناس". فقد استجاب لأمر الله تعالى باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فما سكت عن الشرك وأهله أو داهنهم أو جاملهم أو غير ذلك.. بل كان في مكة على قلة اتباعه. واستضعافهم يعلن براءته من الكفار ومعبوداتهم الباطلة.. ويسفهها ويقول كما أمره الله تعالى أن يقول متبرءاً من الشرك ومصرحاً بكفر أهله وبراءتهم من دينه وبراءة دينه منهم:

  ) قل يا أيّها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين (  [الكافرون: 1-6]. ويصرح لهم بأنه ثابت على طريقته هذه بريء ممن خالفها وأنه من المؤمنين الذين هم أعداء لهم ولدينهم: ) قل يا أيّها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تدعون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (  [يونس: 104]. ويقول تعالى مخاطباً له: ) وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (  ويقول سبحانه معلماً المؤمنين أن يقولوا: ) الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم (  [الشورى: 51].

جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وغيره أن رسول الله e قال لأحد أصحابه: "إقرأ ) قل يا أيّها الكافرون ( ، ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك". وجاء في "رسالة أسباب نجاة السؤول من السيف المسلول" ما ملخصه: "إن كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) قُيّدت بقيود ثـقال فإمام الحنفاء e لم يكتف بمجرد قولها ولم تتم له المحبة والموالاة وهو إمام المحبين إلا بالمعاداة. كما يخبر تعالى عنه:      )أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (  [الشعراء: 77]، وهذا هو معنى قول (لا إله إلا الله) كما قال تعالى: ) وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (  [الزخرف: 28]، فأورثها إمام الحنفاء e لأتباعه يتوارثها الأنبياء بعضهم عن بعض فلما بعث نبينا محمد e أمره الله بقولها كما قالها أبونا إبراهيم فأنزل الله عز وجل بها سورة كاملة هي سورة الكافرون" اهـ. من مجموعة التوحيد.

وقد صدع بها النبي e وأعلنها وما كتمها، وتحمل هو وأصحابه ما نالهم من أذى على ذلك وما داهنهم لأجل ذلك، وحاشاه من أن يداهنهم، وإنما كان يثبت أولئك المؤمنون ويذكرهم بوعد الله تعالى وجنته، وبمواقف أهل الثبات ممن كانوا قبلهم، كقوله: "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" رواه الحاكم وغيره.

وقوله لخباب: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"([1]

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ملة ابراهيم 5

كتبها عكاشة ابن محصن ، في 19 أغسطس 2007 الساعة: 22:07 م

الصادق ما أقام دولة ولا صولة ولكنّه أظهر توحيد الله أيما إظهار، ونصر الدين الحق نصراً مؤزراً ونال الشهادة، وما قيمة الحياة بعد ذلك، وما وزن القتل والحرق والتعذيب إذا فاز الداعية بالفوز الأكبر.. كانت الدولة أم لم تكن.. وإن حُرِّق المؤمنين وإن خُدَّت لهم الأخاديد فإنهم منتصرون لأن كلمة الله هي الظاهرة والعليا.. أضف إلى ذلك أن الشهادة طريقهم والجنة نزلهم.. فأنعم بذلك أنعم..

* وبهذا تعلم أن قول أولئك الجهّال: "إن هذه الطريق تقضي على الدعوة وتعجل ببوار ثمراتها" جهل وإرجاف، لأن هذه الدعوة هي دين الله الذي وعد الله عز وجل بأن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وذلك كائن لا ريب فيه، ونصرة دين الله وإعلاؤه ليست متعلقة بأشخاص هؤلاء المرجفين، تذهب بذهابهم أو تهلك بهلاكهم أو توليهم.. قال تعالى: ) وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (  [محمد: 38]. وقال: ) يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (  [المائدة: 54]، وقال سبحانه: ) ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (  [الحديد: 24]، وها هي دعوات الرسل والأنبياء وأتباعهم خير شاهد في شعاب الزمان.. وقد كانوا أشد الناس بلاءً وامتحاناً وما أثّر ذلك البلاء في نور دعواتهم، بل ما زادها إلا ظهوراً واشتهاراً وتغلغلاً في قلوب الناس وبين صفوفهم، وها هي إلى اليوم ما زالت نوراً يهتدي به السائرون في طريق الدعوة إلى الله، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه.

* ثم ومع ذلك كلّه فلا بد من معرفة قضية أخيرة هنا.. وهي أن هذا الصدع بإظهار العداوة والبراءة من الكفّار المعاندين وإبداء الكفر بمعبوداتهم وباطلهم المتنوع في كل زمان، وإن كان هو الأصل في حال الداعية المسلم.. وهو صفة الأنبياء وطريق دعوتهم المستقيم الواضح.. ولن تفلح هذه الدعوات ولن يصلح مرادها وحالها ولن يظهر دين الله ولن يعرف الناس الحق إلا بالتزام ذلك واتباعه، مع ذلك يقال بأنّه إذا صدعت به طائفة من أهل الحق سقط عن الآخرين والمستضعفين منهم من باب أولى، وذلكم الصدع به، أما هو بحد ذاته فإنّه واجب على كل مسلم في كل زمان ومكان لأنّه كما أسلفنا من لا إله إلا الله التي لا يصح إسلام امرىء إلا بها، أما أن يهمل ويلغى الصدع به كلية من حساب الدعوات مع أنّه أصل أصيل في دعوات الأنبياء، فأمر غريب محدث ليس من دين الإسلام في شيء، بل دخل على هؤلاء الدعاة الذين يدعون بغير هدي النبي e بتقليدهم ومحاكاتهم للأحزاب الأرضية وطرائقها التي تدين بالتقية في كل أحوالها ولا تبالي بالمداهنة أو تتحرج من النفاق..

* واستثناؤنا هذا غير نابع من الهوى والتكتيكات العقلية بل من النصوص الشرعية النقلية الكثيرة.. والمتأمل لسيرة النبي e في عهد الاستضعاف يتجلى له ذلك واضحاً.. وانظر على سبيل المثال لا الحصر.. قصة إسلام عمرو بن عبسة السلمي في صحيح مسلم ومحل الشاهد منها قوله، قلت: "إني متبعك". قال: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني.. الحديث" قال النووي: "معناه قلت له إني متبعك على إظهار الإسلام هنا وإقامتي معك. فقال: لا تستطيع ذلك لضعف شوكة المسلمين ونخاف عليك من أذى كفار قريش ولكن قد حصل أجرك فابق على إسلامك وارجع إلى قومك واستمر على الإسلام في موضعك حتى تعلمني ظهرت فأتني…" أهـ. فهذا واحد قد أذن له النبي e في عدم إعلان وإظهار الدين.. لأن دين الله ودعوة النبي e كانت مشتهرة معروفة ظاهرة في ذلك الوقت ويدلك على ذلك قوله e في الحديث نفسه: "ألا ترى حالي وحال الناس".

وقصة إسلام أبي ذر في البخاري أيضاً، ومحل الشاهد منها قوله e له: "يا أبا ذر أكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل…" الحديث ومع هذا فقد صدع به أبو ذر بين ظهراني الكفّار متابعة منه لهدي النبي e وطريقته في ذلك، ومع أنهم ضربوه ليموت كما جاء في الحديث، ومع تكراره لذلك الصدع، فإن النبي e لم ينكر عليه فعله ذلك، ولا خذّله ولا قال له كما يقول دعاة زماننا إنّك بفعلك هذا ستبلبل الدعوة وستثير فتنة، وتضر مصلحة الدعوة أو أخرت الدعوة مائة سنة.. حاشاه من أن يقول مثل ذلك.. فهو قدوة الناس كافة وأسوتهم إلى يوم القيامة في هذا الطريق.. فاستخفاء بعض المستضعفين من اتباع الدعوة شيء وظهور الدين وإعلانه شيء آخر، ودعوة النبي e كانت ظاهرة معروفة مشتهرة، والكل يعرف أن أصلها وقطب رحاها الكفر بطواغيت ذلك الزمان وتوحيد العبادة بكل أنواعها لله عز وجل.. حتى أنّه ليحذر منها وتحارب بشتى الوسائل.. وما احتاج أتباعه المستضعفين أصلاً للاستخفاء والهجرة وما حصل لهم من الأذى والاستضعاف ما حصل إلا بسبب وضوح الدعوة واشتهار أصلها، ولو كان عندهم من المداهنة قليلاً مما عند أهل زماننا لما حصل لهم ذلك كله.

* وبمعرفتك لهذه النكتة تتضح لك فائدة أخرى مهمة: وهي جواز مخادعة الكفّار وتخفي بعض المسلمين بين صفوفهم أثناء المواجهة والقتال إذا ما كان الدين ظاهراً وأصل الدعوة مشتهراً.. ففي هذه الأحوال يصح الاستشهاد بحادثة قتل كعب بن الأشرف وأمثالها.. أما أن يضيع كثير من الدعاة أعمارهم في جيوش الطواغيت موالين مداهنين يحيون ويموتون وهم في خدمتهم وخدمة مؤسساتهم الخبيثة بحجة الدعوة ونصر الدين.. فيلبسوا على الناس دينهم ويقبروا التوحيد.. فهذه السبل في المغرب ودعوة النبي e وهديه عنها في أقاصي المشرق.

سارت مشر‍ِّقةً وسرت مغرّباً   شتّان بين مشرِّقٍ ومغرِّبِ

فملة إبراهيم إذاً هي طريق الدعوة الصحيحة.. التي فيها مفارقة الأحباب وقطع الرقاب.. أما غيرها من الطرائق والمناهج الملتوية والسبل المعوجة المنحرفة تلك التي يريد أصحابها إقامة دين الله دون أن يستغنوا عن المراكز والمناصب، ودون أن يغضبوا أصحاب السلطان.. أو يفقدوا القصور والنسوان والسعادة في الأهل والبيوت والأوطان، فليست من ملة إبراهيم في شيء. وإن ادعى أصحاب هذه الدعوات أنهم على منهج السلف ودعوة الأنبياء والمرسلين.. فوالله لقد رأيناهم.. رأيناهم كيف يبشون في وجوه المنافقين والظالمين بل والكفّار المحادين لله ورسوله لا لدعوتهم ورجاء هدايتهم، بل يجالسونهم مداهنةً وإقراراً لباطلهم ويصفقون لهم ويقومون لهم إكراماً يبجلونهم ويدعونهم بألقابهم.. نحو: صاحب الجلالة والملك المعظم والرئيس المؤمن وصاحب السمو بل وإمام المسلمين وأمير المؤمنين مع أنهم حرب على الإسلام والمسلمين([1]).. نعم والله لقد رأيناهم يغدو أحدهم ويروح.. يبيع دينه بأقل من جناح بعوضة.. يمسي مؤمناً يدرس التوحيد وربما درّسه ويصبح يقسم على احترام الدستور بقوانينه الكفرية، ويشهد بنزاهة القانون الوضعي.. ويكثر سواد الظالمين ويلقاهم بوجه منبسط ولسان عذب.. مع أنّهم يمرون بآيات الله الليل والنهار تنهاهم عن الركون للظالمين أو طاعتهم والرضى عن بعض باطلهم.. فهم يقرأون هذه الآيات، كقوله تعالى: ) ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار (  [هود: 113]، وقوله عز وجل: ) وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم… (  الآية [النساء: 140].

* يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معنى قوله تبارك وتعالى: ) إنكم إذاً مثلهم ( ، "الآية على ظاهرها وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره فهو كافر مثلهم وإن لم يفعل فعلهم.." اهـ من الدرر جزء الجهاد ص79.

وقوله عز وجل: ) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره (  [الأنعام: 68].

* قال الحسن البصري: لا يجوز له القعود معهم خاضوا أو لم يخوضوا لقوله تعالى: ) وإمّا ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (  [الأنعام: 68]، وكذا قوله تعالى: ) ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً (  [الإسراء: 74].

* يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "فإذا كان هذا الخطاب لأشرف مخلوق صلوات الله وسلامه عليه فكيف بغيره" اهـ. من الدرر جزء الجهاد ص47.

ويقرأون قوله تعالى واصفاً المؤمنين: ) والذين هم عن اللغو معرضون (  [المؤمنون: 3]، وقوله: )

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ملة ابراهيم 4

كتبها عكاشة ابن محصن ، في 19 أغسطس 2007 الساعة: 22:05 م

- القضية الثانية: وهي البراءة من المشركين والكفر بهم وإظهار العداوة والبغضاء لهم هم أنفسهم.

* يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان: "وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله" أهـ. وينسب لشيخ الإسلام وهذه القضية -أي البراءة من المشركين- أهم من الأولى أعني (البراءة من معبوداتهم).

* يقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى في "سبيل النجاة والفكاك" عند قوله تعالى: ) إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله (  [الممتحنة: 4]: "وهاهنا نكتة بديعة وهي أن الله تعالى قدّم البراءة من المشركين العابدين غير الله، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله لأن الأول أهم من الثاني، فإنه إن تبرأ من الأوثان ولم يتبرأ ممن عبدها لا يكون آتياً بالواجب عليه. وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم، وكذا قوله: ) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله (  [مريم: 48] الآية. فقدّم اعتزالهم على اعتزال ما يدعون من دون الله. وكذا قوله: ) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله (  [مريم: 49]، وقوله: ) وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله (  [الكهف: 16]، فعليك بهذه النكتة فإنها تفتح لك باباً إلى عداوة أعداء الله. فكم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنه لا يعادي أهله فلا يكون مسلماً بذلك إذ  ترك دين جميع المرسلين"([1]) أهـ.

* ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالة له في الدرر السنية: "والمرء قد ينجو من الشرك ويحب التوحيد، ولكنه يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم. فيكون متبعاً لهواه داخلاً من الشرك في شعب تهدم دينه وما بناه، تاركاً من التوحيد أصولاً وشعباً لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه فلا يحب ولا يبغض لله ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسوّاه، وكل هذا يؤخذ من شهادة أن لا إله إلا الله" أهـ من جزء الجهاد ص681.

* ويقول أيضاً في رسالة أخرى له من الكتاب نفسه ص842: "وأفضل القرب إلى الله مقت أعدائه المشركين وبغضهم وعداوتهم وجهادهم وبهذا ينجو العبد من توليهم من دون المؤمنين، وإن لم يفعل ذلك فله من ولايتهم بحسب ما أخل به وتركه من ذلك، فالحذر الحذر مما يهدم الإسلام ويقلع أساسه" أهـ.

* ويقول سليمان بن سحمان:

فمن لم يعاد المشركين ولـم    يوال ولم يبغض ولم يتجنـب

فليس على منهاج سنة أحمد    وليس على نهج قويم معرب

* وقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: " لا بد للمسلم من التصريح بأنه من هذه الطائفة المؤمنة، حتى يقويها وتقوى به ويفزع الطواغيت، الذين لا يبلغون الغاية في العداوة حتى يصرح لهم أنه من هذه الطائفة المحاربة لهم". أهـ من مجموعة التوحيد.

* وسئل الشيخ حسين والشيخ عبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن رجل دخل هذا الدين وأحبه وأحب أهله، ولكن لا يعادي المشركين أو عاداهم ولم يكفرهم؟ فكان مما أجابا به: "من قال لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم؟ فهو غير مسلم؟ وهو ممن قال الله تعالى فيهم: ) ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً (  [النساء: 151]. أهـ. من الدرر([2]).

* يقول سليمان بن سحمان:

فعاد الذي عـــادى لدين محمـد           ووال الذي والاه من كل مهتــد

وأحبب لحب الله من كان مـؤمنـاً           وأبغض لبغض الله أهــل التمرد

وما الدين إلا الحب والبغض والولا           كذاك البــرا من كل غاو ومعتد

* ويقول أيضاً:

نعم لو صدقت الله فيما زعمتـه              لعاديت من باللـه ويحك يكفر

وواليت أهل الحق سراً وجهرة               ولما تهاجيهـم وللـكفر تنصر

فما كل من قد قال ما قلت مسلم             ولكن بأشــراط هنالك تذكر

  مباينة الكفار في كل مـوطـن              بذا جاءنا النص الصحيح المقرر

وتكفيرهم جهراً وتسفيه رأيهـم        وتضليلهـم فيما أتوه وأظهروا

وتصدع بالتوحيد بين ظهورهـم              وتدعوهموا سـراً لذاك وتجهر

فهذا هو الدين الحنيفي والهـدى       وملة إبراهيم لـو كنـت تشعر

بالطبع لا نقول إن إظهار مثل هذه البراءة والعداوة شاملة حتى للمؤلفة قلوبهم، أو من يظهرون التقبل ولا يظهرون العداوة لدين الله، وإن كان الواجب وجودها في القلب لكل مشرك، حتى يتطهر من شركه، ولكن الكلام على الإظهار والإعلان والمجاهرة والإبداء، فهؤلاء وحتى المتجبرين والظالمين يُدعون إلى طاعة الله بالحكمة والموعظة الحسنة ابتداء فإن استجابوا فهم إخواننا نحبهم بقدر طاعتهم ولهم ما لنا، وعليهم ما علينا. وإن أبوا مع وضوح الحجة واستكبروا وأصروا على ما هم عليه من الباطل والشرك ووقفوا في الصف المعادي لدين الله، فلا مجاملة معهم ولا مداهنة.. بل يجب إظهار وإبداء البراءة منهم عند ذلك.. وينبغي التفريق هنا بين الحرص على هداية المشركين والكفار وكسب أنصار للدين واللين في البلاغ والحكمة والموعظة الحسنة وبين قضية الحب والبغض والموالاة والمعاداة في دين الله، لأن كثيراً من الناس يخلط في ذلك فتستشكل عليهم كثير من النصوص مثل: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون" وما إلى ذلك.

وقد تبرأ إبراهيم من أقرب الناس إليه، لما تبين له أنه مصرّ على شركه وكفره، قال تعالى عنه: ) فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه (  [التوبة: 114].. ذلك بعد أن دعاه بالحكمة والموعظة الحسنة، فتجده يخاطبه بقوله: ) يا أبت إني قد جاءني من العلم (  [مريم: 43].. ) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن (  [مريم: 45].. وهكذا موسى مع فرعون.. بعد أن أرسله الله إليه وقال: ) فقولا له قولاً ليّنا لعله يتذكر أو يخشى (  [طه: 44].. فقد بدأ معه بالقول اللين استجابة لأمر الله فقال: ) هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربك فتخشى (  وأراه الآيات والبينات.. فلما أظهر فرعون التكذيب والعناد والإصرار على الباطل، قال له موسى كما أخبر تعالى:  )لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني أظنك يا فرعون مثبورا (  [الإسراء: 102]. بل ويدعو عليهم قائلاً: ) ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ملة ابراهيم 3

كتبها عكاشة ابن محصن ، في 19 أغسطس 2007 الساعة: 22:00 م

يؤثر في سياساتها الخارجية والداخلية.. وما دام هذا التوحيد المجزأ الناقص بعيداً عن السلاطين وعروشهم الكافرة فإنه يتلقى منهم الدعم والمساندة والتشجيع… وإلا فأين كتابات جهيمان وأمثاله رحمه الله تعالى التي تمتلىء وتزخر بالتوحيد؟ لماذا لم تدعمها الحكومة وتشجعها؟؟ رغم أنه لم يكن يكفرها في تلك الكتابات.. أم أنه توحيد يخالف أمزجة (الطغاة) وأهواءهم ويتكلم بالسياسة ويتعرض للولاء والبراء والبيعة والإمارة. وراجع كلامه في مختصر رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ص108 إلى 110 من الرسائل السبع، فقد وجدته متبصراً في هذه القضية رحمه الله تعالى.

يقول الشيخ العلامة حمد بن عتيق رحمه الله في كتابه سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك: "إن كثيراً من الناس قد يظن أنه إذا قدر على أن يتلفظ بالشهادتين وأن يصلي الصلوات الخمس، ولا يرد عن المسجد فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين أو في أماكن المرتدين، وقد غلطوا في ذلك أقبح الغلط.

واعلم أن الكفر له أنواع وأقسام بتعدد المكفرات وكل طائفة من طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوع منه، ولا يكون المسلم مظهراً لدينه حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته، والبراءة منه.." أهـ.

ويقول أيضاً في الدرر السنية: "وإظهار الدين: تكفيرهم وعيب دينهم والطعن عليهم والبراءة منهم والتحفظ من موادتهم والركون إليهم واعتزالهم، وليس فعل الصلوات فقط إظهاراً للدين" أهـ. من جزء الجهاد ص196.

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان في ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان ص76، 77:-

إظهار هذا الدين تصريح لهـم بالكفر إذْْ هم معشر كفــار

وعداوة تبدو وبغض ظاهــر يا للعقول أما لكم أفكـــار

هـذا وليس القلب كاف بغضه         والحـب منه وما هو المعيار

لكنما المعيار أن تأتي بـــه         جهـراً وتصريحاً لهم وجهار

ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن في جزء الجهاد من الدرر السنية ص141: "ودعوى من أعمى الله بصيرته وزعم أن إظهار الدين هو عدم منعهم من يتعبد أو يدرس دعوى باطلة، فزعمه مردود عقلاً وشرعاً، وليََهْْنََ من كان في بلاد النصارى والمجوس والهند ذلك الحكم الباطل، لأن الصلاة والآذان والتدريس موجود في بلدانهم.." أهـ.

ورحم الله من قال:

يظنون أن الدين لبيك في الفــلا     وفعــل صلاة والسكوت عن الملا

وسالم وخالط من لذا الدين قد قلا      وما الدين إلا الحب والبغض والولا

كذاك البرا من كل غاوٍ وآثمِ

* ويقول أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا في ضجيجهم بلبيك ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة، فاللجا اللجا إلى حصن الدين والاعتصام بحبل الله المتين، والانحياز إلى أوليائه المؤمنين، والحذر الحذر من أعدائه المخالفين، فأفضل القرب إلى الله تعالى، مقت من حاد الله ورسوله وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان" أهـ من الدرر السنية - جزء الجهاد ص238.

تنبيه ثان: وفي مقابل هذه البراءة من الشرك وأهله.. هناك أيضاً: (موالاة دين الله وأوليائه ونصرتهم ومؤازرتهم والنصح لهم وإبداء ذلك وإظهاره) حتى تتآلف القلوب وتتراص الصفوف، ومهما عنّفنا إخواننا الموحدين المنحرفين عن جادة الصواب ومهما شدّدنا في النصح لهم ونقد طرائقهم المخالفة لطريق الأنبياء.. فالمسلم للمسلم كما يقول شيخ الإسلام كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وربما احتاج إزالة الوسخ أحياناً إلى شيء من الشدة التي تُحمد عاقبتها، لأن المقصود من ورائها الإبقاء على سلامة اليدين ونظافتهما.. ولا نستجيز بحال من الأحوال التبرؤ منهم بالكلية، لأن للمسلم على أخيه حق الموالاة التي لا تنقطع إلا بالردة والخروج من دائرة الإسلام.. وقد عظّم الله سبحانه من شأن هذا الحق فقال: ) إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (  [الأنفال: 73]. والمسلم المنحرف إنما يتبرأ من باطله أو بدعته وانحرافه مع بقاء أصل الموالاة.. ألم تر أن أحكام قتال البغاة وأمثالهم.. تختلف مثلاً عن أحكام قتال المرتدين… ولا نقر أعين الطغاة ونفرحهم بعكس ذلك أبداً، كما يفعل كثير من المنتسبين إلى الإسلام ممن اختل لديهم ميزان الولاء والبراء في هذا الزمان، فبالغوا في البراءة والشماتة من مخالفيهم الموحدين والتحذير منهم بل ومن كثير من الحق الذي عندهم وربما على صفحات الجرائد النتنة المعادية للإسلام والمسلمين ناهيك عن إغراء السفهاء والحكام بهم وبدعواتهم.. حتى ليُشارك كثير من هؤلاء الدعاة أولئك الحكام بالقضاء عليهم وعلى دعواتهم بإلصاق التهم الباطلة بهم أو ترقيع الفتاوى للطواغيت لقمعهم، كأن يقولوا عنهم: بغاة أو خوارج أو أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى، إلى غير ذلك.. وأعرف كثيراً ممن يفرح بوقوع من يخالفهم من المسلمين بأيدي الطغاة، ويقولون: (يستاهل) أو (زين يسوون فيه) إلى غير ذلك من الكلمات التي ربما تهوي بأحدهم في جهنم سبعين خريفاً من حيث لا يدري وهو لا يُلقي لها بالاً.

واعلم أن من أخص خصائص ملة إبراهيم ومن أهم مهماتها التي نرى غالبية دعاة زماننا مقصرين فيها تقصيراً عظيماً بل أكثرهم هجرها وأماتها:-

- إظهار البراءة من المشركين ومعبوداتهم الباطلة.

- وإعلان الكفر بهم وبآلهتهم ومناهجهم وقوانينهم وشرائعهم الشركية.

- وإبداء العداوة والبغضاء لهم ولأوضاعهم ولأحوالهم الكفرية حتى يرجعوا إلى الله، ويتركوا ذلك كله ويبرأوا منه ويكفروا به.

قال تعالى: ) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده (  [الممتحنة: 4].

* يقول العلامة ابن القيم: لما نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال" أهـ. من بدائع الفوائد (3/69).

* ويقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى: "فقوله: ) وبدا (  أي ظهر وبان، وتأمل تقديم العداوة على البغضاء، لأن الأولى أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم فلا يكون آتياً بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضاً من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بيّنتين. واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب، فإنها لا تنفعه حتى تظهر آثارها وتتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة، فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين" أهـ. "من سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك".

* ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن: "ولا يكفي بغضهم بالقلب، بل لا بد من إظهار العداوة والبغضاء - وذكر آية الممتحنة السابقة ثم قال- فانظر إلى هذا البيان الذي ليس بعده بيان، حيث قال: ) بدا بيننا (  أي ظهر، هذا هو إظهار الدين فلا بد من التصريح بالعداوة وتكفيرهم جهاراً والمفارقة بالبدن، ومعنى العداوة أن تكون في عََدْْوَة والضدّ في عََْدْوَة أخرى كما أن أصل البراءة المقاطعة بالقلب واللسان والبدن، وقلب المؤمن لا يخلو من عداوة الكافر، وإنما النزاع في إظهار العداوة…" أهـ. من الدرر ص141 جزء الجهاد.

* ويقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (صاحب كتاب فتح المجيد) حول آية الممتحنة السابقة: "فمن تدبر هذه الآيات عرف التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وعرف حال المخالفين لما عليه الرسل وأتباعهم من الجهلة المغرورين الأخسرين قال شيخنا الإمام رحمه الله -يعني جده محمد بن عبد الوهاب- في سياق دعوة النبي e قريشاً إلى التوحيد وما جرى منهم عند ذكر آلهتهم بأنهم لا ينفعون ولا يضرون أنهم جعلوا ذلك شتماً، " فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين([1]) والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء كما قال تعالى: ) لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله… (  [المجادلة: 22] الآية، فإذا فهمت هذا فهماً جيداً عرفت أن كثيراً ممن يدعي الدين لا يعرفه، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والهجرة إلى الحبشة مع أنه أرحم الناس ولو وجد لهم رخصة أرخص لهم، كيف وقد أنزل الله عليه: ) ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله (  [العنكبوت: 10] فإذا كانت هذه الآية فيمن وافق بلسانه فكيف بغير ذلك"؛ يعني من وافقهم بالقول والفعل بلا أذى فظاهرهم وأعانهم وذب عنهم وعن من وافقهم وأنكر على من خالفهم كما هو الواقع" -الدرر- جزء الجهاد ص93 وأنا أقول لهم: لله درك كأنك تتكلم في زماننا…

* ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف في الدرر السنية: اعلم وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى أنه لا يستقيم للعبد إسلام ولا دين إلا بمعاداة أعداء الله ورسوله([2])، وموالاة أولياء الله ورسوله قال تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان (  [التوبة: 23] أهـ. من جزء الجهاد ص208.

وهذا هو دين جميع المرسلين.. وهذه هي دعوتهم وطريقتهم كما تدل عليه عموم آيات القرآن وأخبار النبي e.. وكذلك قوله تعالى في آية الممتحنة هذه )والذين معه (  أي المرسلين الذين على دينه وملته.. قاله غير واحد من المفسرين.

* ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: "وهذا هو إظهار الدين لا كما يظن الجهلة من أنه إذا تركه الكفار وخلوا بينه وبين أن يصلي ويقرأ القرآن ويشتغل بما شاء من النوافل أنه يصير مظهراً لدينه هذا غلط فاحش فإن من يصرح بالعداوة للمشركين والبراءة منهم لا يتركونه بين أظهرهم بل إما قتلوه وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً كما ذكره الله عن الكفار قال تعالى: ) وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا (  [إبراهيم: 13] الآية. وقال إخباراً عن قوم شعيب: ) لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا (

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ملة ابراهيم 2

كتبها عكاشة ابن محصن ، في 19 أغسطس 2007 الساعة: 21:48 م

وأورد الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد (6/23) (باب تكسيره e الأصنام) وقال عقبة: (رواه أحمد وابنه أبو يعلى والبزار، زاد بعد قوله حتى استترنا بالبيوت: فلم يوضع عليها بعد؛ يعني شيئاً من تلك الأصنام) قال: (ورجال الجميع ثقات).

وقال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (13/302، 303): حدثنا أبو نعيم الحافظ إملاء، حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، حدثنا محمد بن يونس، حدثنا عبد الله بن داود الخريبي، عن نعيم بن حكيم المدائني، قال حدثني أبو مريم عن علي ابن أبي طالب، قال: "انطلق بي رسول الله e إلى الله e على منكبي ثم قال: "انهض بي إلى الصنم"، فنهضت فلما رأى ضعفي تحته قال: اجلس، فجلست وأنزلته عني وجلس لي رسول الله e ثم قال لي: "يا عليّ اصعد على منكبي" فصعدت على منكبيه، ثم نهض بي رسول الله e، فلما نهض خيل إلي أني لو شئت نلت السماء وصعدت على الكعبة، وتنحى رسول الله e، فألقيت صنمهم الأكبر - صنم قريش - وكان من نحاس موتداً بأوتاد من حديد إلى الأرض، فقال لي رسول الله e: "عالجه" فعالجته فما زلت أعالجه ورسول الله e يقول: "إيه، إيه، إيه"، فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه، فقال: "دقه" فدققته وكسرته، ونزلت".

قلت: أبو مريم: هو قيس الثقفي المدائني، يروي عن علي وعنه نعيم بن حكيم، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه النسائي، ولكنه كما قال الحافظ ابن حجر: "وهم في قوله أن أبا مريم الحنفي يسمى قيساً، والصواب أن الذي يسمى قيساً هو أبو مريم الثقفي.. إلى أن قال: على أن النسخة التي وقفت عليها من كتاب التمييز للنسائي إنما فيه أبو مريم قيس الثقفي نعم ذكره في التمييز.. وأما أبو مريم الحنفي فلم يذكره النسائي لأنه لم يذكر إلا من عرفه" اهـ.

والذين تكلموا في الحديث خلطوا بين الرجلين.. فتنبه لهذا.. وقد وثقه أيضاً الحافظ الذهبي في الكاشف (3/376) وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، والبخاري في التاريخ الكبير، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.. فهو غير الحنفي وغير الكوفي أيضاً راجع ميزان الاعتدال (4/573).

والحديث صححه العلامة أحمد شاكر فقال في هامش تحقيقه للمسند (2/58): "إسناده صحيح، نعيم بن حكيم وثقه ابن معين وغيره وترجم له البخاري في التاريخ الكبير 4/2/99 فلم يذكر فيه جرحاً، أبو مريم: هو الثقفي المدائني، وهو ثقة وترجم له البخاري أيضاً (4/1/151) فلم يذكر فيه جرحاً… قال: ومن الواضح أن هذه القصة كانت قبل الهجرة" اهـ.

أقول: ومع هذا فقد قلنا في هذا الكتاب بعد أن سقنا الحديث: (ومع ذلك نقول لو سلمنا جدلاً أنه لم يصح عن النبي e تحطيم الأصنام في مكة زمن الاستضعاف، فإنه صلوات الله وسلامه عليه كان متبعاً لملة إبراهيم أشد الاتباع آخذاً بها بقوة، فما داهن الكفار لحظة واحدة وما سكت عن باطلهم أو عن آلهتهم، بل كان همه وشغله الشاغل في تلك الثلاث عشرة سنة، بل وغيرها هو: ) اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت (  [النحل: 36]، فلا يعني كونه جلس بينها تلك الثلاث عشرة سنة، أنه مدحها أو أثنى عليها أو أقسم على احترامها…) إلى قولنا: (بل كان يعلن براءته من المشركين وأعمالهم، ويبدي كفره بآلهتهم رغم استضعافه واستضعاف أصحابه، وقد فصلنا لك هذا فيما مضى ولو تأملت القرآن المكي لوضح لك من ذلك الكثير.. إلخ).

فالمسألة إذن ليست كما يظنها هؤلاء القوم، موقوفة على حديث فرد يقضى عليها بتضعيفه، بل لها شواهد عظيمة، وبراهين صريحة، وأصول ثابتة، وقواعد راسية من أدلة الشرع، لا يقوى على ردها إلا مكابر جاحد.

فالحق ركنٌ لا يقومُ لهدّه              أحدٌ ولو جمعت له الثقلان

ولعل في هذا القدر الكفاية لمن أراد الهداية.

وقبل أن أختم هذه المقدمة أحب أن أضيف إليها، بأنني كنت قد ناظرت في السجن بعض أفراد حزب سياسي إرجائي معروف، حول موضوع (الإيمان) ومتعلقاته..

وكان فيهم رأس من رؤوسهم، فكان فيما احتجّ به ترقيعاً لعساكر الشرك والقانون، قصة حاطب بن أبي بلتعة، وقصة أبي لبابة الأنصاري، فزعم أن حاطب تجسس للكفار ووالاهم، وأن أبا لبابة خان الله والرسول، ومع ذلك لم يكفّرهما رسول الله e([1]) ومن ثم قاس حرابه عساكر الشرك والقانون للشريعة وعداوتهم لأهلها، على فعل هذين الصحابيين الجليلين. وخرج من ذلك بأن أنصار الطواغيت وعساكرهم، الذين يفنون أعمارهم في حراسة الشرك والقانون، وحفظ عروش الطواغيت وحرب الشريعة وأهلها، لا يجوز تكفيرهم، لأن جرائمهم لا تعدوا فعل حاطب أو فعل أبي لبابة..! بل زاد على ذلك أن استشاط غضباً لما نقلنا عنه أنه لا يكفّر عساكر الشرك والقانون، بل يقول عنهم ظلمة وفجار، فثار لذلك واتهمنا بأننا غيرنا سياق كلامه، فهو كما قال لم يصفهم بأنهم ظلمة وفجار، هكذا بإطلاق، وإنما قال في سياق الدفع عن تكفيرهم: "قد يكون بعضهم ظلمة أو فجارا ً" أي بحسب حال آحادهم، لا بسبب طبيعة عملهم، ونصرتهم للطواغيت وحربهم للشريعة وأهلها..

فقلت لهم: عجباً لكم تتحرجون من وصف جند الطواغيت وعساكر الشرك والتنديد بالظلم والفجور، ولا تتحرجون من القول عن حاطب: والَى الكفار وتجسس لهم، وعن أبي لبابة: خان الله والرسول!! وكان هذا فراق بيننا وبينهم..

ولما حاول بعض الإسلاميين في السجن أن يجمعوا ويصلحوا بيننا، جرى بيننا وبينهم بعض الكلام، فوجدناهم على ما كانوا عليه من المقال، فقلت لهم: (أنا لست على صحبتكم بحريص، لأنكم لا تتحرجون من الكلام في بعض أصحاب النبي e ووصفهم بالخيانة، بينما تتحرجون من وصف أعداء الله وجند الطواغيت بالظلم والفجور.. لذا فلسنا والله حريصون على صحبتكم وإنما نداريكم ونتجنب الانشغال بكم، لأننا في سجن وبين أعداء الله تعالى([2]) وهنا غضب ناطقهم وأخرج ما كان يكنه في صدره وقال: (أنت أصلاً رجل تدعو إلى ملة إبراهيم، والذي يدعو إلى ملة إبراهيم رجل مشبوه سياسياً، يدعو إلى الذي يصالح اليهود والنصارى، الذين هم من أبناء إبراهيم) أهـ - وما سقت القصة هنا إلا لأجل هذا، وهو محل الشاهد منها..

فلا أدري ما أقول في هذا؟؟

وبأي شيء أردّ على أناس يرومون إقامة الخلافة، وهم لا يميزون بين مقولة (أبناء إبراه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ملة ابراهيم 1

كتبها عكاشة ابن محصن ، في 13 أغسطس 2007 الساعة: 21:11 م

ملّة إبراهيم

 

ودعوة الأنبياء والمرسلين

وأساليب الطغاة في تمييعها وصرف الدعاة عنها

 

 

لأبي محمد عاصم المقدسي

 

 

 

 

 

حقوق النشر غير محفوظة


 

بـــراءة

إلى الطواغيت في كل زمان ومكان…

إلى الطواغيت حكاماً وأمراء وقياصرة وأكاسرة وفراعنة وملوكاً…

إلى سدنتهم وعلمائهم المضلين…

إلى أوليائهم وجيوشهم وشرطتهم وأجهزة مخابراتهم وحرسهم…

إلى هؤلاء جميعاً.. نقول

  )إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله(

براء من قوانينكم ومناهجكم ودساتيركم ومبادئكم النتنة..

براء من حكوماتكم ومحاكمكم وشعاراتكم وأعلامكم العفنة..

) كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده(

 

لأجاهدن عداك ما أبقيتنــي   ولأجعلن قتالهم ديـــدانِ

ولأفضحنهم على رؤوس الملا ولأفرين أيديمهم بلســـانِ

موتوا بغيظكم فربي عالــم   بسرائر منكم وخبث جنـانِ

فالله ناصر دينه وكتابـــه   ورسوله بالعلم والسلطــانِ

والحق ركن لا يقوم لهــدّه   أحد ولو جمعت له الثقـلانِ

                        (ابن القيم)


مقدمة

الحمد لله ولي المتقين، وخاذل أعداء الدين..

وأطيب الصلاة وأتم التسليم على نبينا وأسوتنا القائل: ".. إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم"([1]).

وبعد فهذا كتابي ملة إبراهيم أقدمه إلى القراء الكرام بحلته الجديدة هذه، بعد أن انتشر وطبع وصور مراراً، وتداوله الشباب في أرجاء المعمورة، قبل أن أجهزه للطبع، وذلك أني كنت قد أهديت منه نسخة بخط يدي إلى بعض إخواننا الجزائريين في الباكستان، وكان آنذاك فصلاً من كتاب كنت أعده في (أساليب الطغاة في الكيد للدعوة والدعاة) حال تقلب الأيام والتنقل بين الديار دون إتمامه، فقام أولئك الإخوة بطبع ذلك الفصل طبعة بحسب إمكاناتهم المتواضعة، ولكنها كانت أول خروجه وسبب انتشاره.

ثم لما فرج الله تعالى بمنه وكرمه بادرت إلى إعداده للطبع خصوصاً بعد أن عاينت طوال مدة اعتقالي وسجني مدى غيظ أعداء الله من هذا الكتاب، فقد كانوا كلما اعتقلوا أخاً يسألونه أول ما يسألونه عن هذا الكتاب، هل قرأه؟ وهل يعرف مؤلفه؟

وكان بعضهم يقول لمن يجيب على ذلك بالإيجاب: " يكفي هذا ليكون فكرك جهادياً وتقتني سلاحاً، ما اعتقلنا تنظيماً مسلحاً إلا ووجدنا عنده هذا الكتاب".

فالحمد لله الذي جعله شوكة في حلوقهم وغصة في صدورهم وقرحة في كبودهم وأسأل الله أن يظل لنا سعداً، ومرعاه للطاغوت سعداناً([2]).

هذا ولقد كنت منذ طبع الكتاب طبعته تلك إلى حين كتابة هذه السطور أنتظر أن يصلني نصح أو تنبيه، وأتحرى أن أقع على ملحوظات أو وقفات؛ من كثير ممن أطالوا ألسنتهم فينا وفي دعوتنا، وفي هذا الكتاب، ورمونا وبهتونا بما لم يصدر عنا في يوم من الأيام.. حتى خطب أحدهم خطبة جمعة في أحد مساجد الكويت فزعم أني أقول بأني وحدي على ملة إبراهيم في هذا الزمان، وزعم أننا نكفر الناس جميعهم هكذا، ووصفنا بالخوارج المعاصرين، وغير ذلك من الافتراءات التي ما عادت تنطلي إلا على مقلدتهم العميان..

أما طلبة الحق الذين استنارت بصائرهم بنور الوحي، فإنهم يعرفون أن حالنا مع هؤلاء كما قال الشاعر:

وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضيلةٍ              طُوِيَتْ أتاح لها لسانَ حسودِ

فرغم طول المدة التي نشر فيها الكتاب ورغم كثرة الخصوم والحساد، ووفرة الطاعنين والشانئين لم يصلني طول هذه المدة رد أو نقد أو ملحوظات جادة حول الكتاب، وكل الذي وصلني شقشقات عامة من بعض المخالفين نقلوها مشافهة عن شيوخهم هذا مجملها:

- قالوا إن الله وصف إبراهيم بأنه أواه حليم لأنه كان يجادل عن قوم لوط الكفار، وهذا مناف لعداوتهم التي ذكرتم أنها من ثوابت هذه الملة.

- وقالوا (ويا عجباً لما قالوا): إننا مأمورون باتباع طريقة محمد e وملته..

أما ملة إبراهيم فهي من شرع من قبلنا وشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا..

- وقالوا إن آية الممتحنة المذكورة فيها ملة إبراهيم مدنية، فهي نزلت في مرحلة كان للمسلمين فيها دولة، وقرروا بذلك أن هذه الملة العظيمة إنما تظهر وتتبع فقط عند وجود الدولة..

- وقالوا إن حديث تكسير الأصنام في مكة حديث ضعيف، وأوضعوا بذلك يبغون رد أهم ما جاء في الكتاب بتضعيف ذلك الحديث.

ولعل القارىء الفطن:

ينتقد علينا تنزّلنا معهم للرد على مثل هذه الأقاويل والتي حقيقتها كما قال الشاعر:

شبهٌ تهافت كالزجاج تخالُها     حقّاً وكُلٌّ كاسرٌ مكسورُ

ولكنني لا أرى مع ذلك مانعاً من التصدي لها مخافة أن تنطلي على البعض أو يتلقفها بعض الأغرار، خاصة وأنه لم يصلني غيرها، فأقول على وجه الاختصار..

* أولاً: أما قوله تعالى عن إبراهيم: )فلمّا ذهب عن إبراهيمَ الرَّوْعُ وجاءته البشرى يجادلُنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب ( [هود: 74-75].

فليس فيه وجه دلالة يرقع به المجادلون باطلهم فقد روى أهل التفسير أن جدال إبراهيم عن قوم لوط، إنما كان لأجل لوط وليس لأجلهم فذكروا أنه لما سمع قول الملائكة: ) إنا مهلكوا أهل هذه القرية ( [العنكبوت: 31].

قال: أرأيتم إن كان منهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟

قالوا: لا

قال: فأربعون؟

قالوا: لا

قال: فعشرون؟

قالوا: لا

ثم قال: فعشرة، فخمسة؟

قالوا: لا

قال: فواحد؟

قالوا: لا

) قال إن فيها لوطاً. قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله( [العنكبوت: 32].. الآية، وهذا الذي ذكره المفسرون تدل عليه آيات الكتاب..

فإن من أولى أنواع التفسير تفسير القرآن بالقرآن، فآية سورة هود الأولى تفسرها آية العنكبوت المذكورة.. فهي مبينة مفسرة لها..

قال تعالى: ) ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ( [العنكبوت: 31-32].

ثم هب أن جدال إبراهيم كان عن قوم لوط أنفسهم، أوليس المعرفة بحقيقة دعوة الأنبياء؛ وأنهم كانوا أرحم الناس بأقوامهم، تستلزم حمل ذلك الجدال على الحرص على هدايتهم قبل إهلاكهم؟.

أوليس الفقه السليم؛ يقتضي حمل مثل هذا الجدال المطلق، وفهمه على ضوء قول النبي e، لما بعث الله إليه مَلَك الجبال ليأمره بما شاء في قومه، حين ردوا دعوته، فقال e: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً"، والحديث رواه الشيخان.

أوليس الأدب مع الأنبياء وحسن الظن بهم يقتضي هذا الفهم، ويقتضي تنزيههم عن تلك الأفهام السقيمة، التي تضرب آيات الكتاب بعضها ببعض، وتشوّه دعوة الأنبياء وتزري بهم؛ إذ تجعلهم من المرقّعين للباطل، المجادلين عن الذين يختانون أنفسهم؟؟

وهم الذين ما بعثوا أصلاً إلاّ للبراءة من الشرك وأهله..

لكن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تبصير العقلاء بتلبيسات اهل التجهم والارجاء

كتبها عكاشة ابن محصن ، في 13 أغسطس 2007 الساعة: 21:03 م

 

 

 

 

 

 

تبصـير العـقلاء

بتلبيسات أهل التجهّم والإرجاء

 

 

 

لأبي محمد المقـدسي

 

 

وهو رد على كتاب ( التحذير من فتنة التكفير )

 

 

 

عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" صنفان من أمتي لا يردان عليّ الحوض : القدرية ، والمرجئة "

رواه الطبراني في الأوسط ،

وأورده الألباني !!! في سلسلته الصحيحة ج6

وقال : ( إسناده قوي )

 

 

حقوق النشر غير محفوظة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :

( فإذا وقع الإستفصال والإستفسار  ، انكشفت الأسرار وتبيّن الليل والنهار ، وتميّز أهل الإيمان واليقين ، من أهل النفاق المدلسين ، الذين لبسوا الحق بالباطل وكتموا الحق وهم يعلمون .) أهـ .

 

عن الرسالة التسعينية ص 26

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :

( قيل للإمام أحمد بن حنبل الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحبُّ إليك أو يتكلم في أهل البدع؟

 فقال: " إذا صام وصلى واعتكف فإنِّما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنِّما هو للمسلمين، هذا أفضل."

فبيّن أنَّ نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك، واجب على الكفاية، باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب) ([1]) انتهى.

 


m

 

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله.

]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون[.

]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يُطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً[.

]يا أيها النّاس اتقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحامَ إنَّ الله كان عليكم رقيباً[.

أمّا بعد.. فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم  وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها وكلَّ مُحدثةٍ بدعة وكلَّ بدعةٍ ضلالة وكلَّ ضلالةٍ في النّار.

ثم أمّا بعد:

فلقد وصلت إلى يديّ وأنا في سجن سواقة في منتصف سنة 1417  نسختان وطبعتان مختلفتان من فتوى الألباني وتقريظاً عليها لابن باز حول ما سمّوه بفتنة التكفير.. وأتوقّع أنْ أرى المزيد، إذ هذه البضاعة هي البضاعة التي تَروج عند طواغيت الحكم، ولذلك فإنّك تراها دائماً بأفخر الطبعات، وغالباً ما تجدها موسومة ممهورة بعبارة (يُهدى ولا يُباع).

ورحِمَ الله أخي أبا عاصم([2]) فقد حدثني عن بعض إخوة التوحيد في الجزيرة، أنَّ أباه كان من مباحث الحكومة (جواسيسها) فكان يحضر له من أمثال هذه الكتب كميات هائلة ، إضافة إلى أشرطة تسجيل لموضوعات مشابهة، جُلُّ مادتها تدافع عن طواغيت الكفر، وتصوّرهم على أنهم ولاة أمور تجب طاعتهم والخضوع لهم وعدم الخروج عليهم أو نقض بيعتهم ، وتمجد عملاءهم من علماء السوء وأذناب الطواغيت، وتغمز وتلمز وتشنّ الغارة على كلّ موحِّد بيّن باطلهم وحذّر النّاس منهم، كلّ ذلك كانت تُساهم  المباحث السعودية وتُسابق في طباعته  بأفخر الطبعات وتوزيعه ونشره بالمجّان.

   وكان الأخ رحمه الله يروي لي هذا بحرقة، ويتألم لهذا الضلال الذي قد يغتّر به الشباب الأغرار.

فكنتُ أقول له: لا تحزن فإنَّ الله لن يخذل التوحيد وأهله، ولا تذهب نفسك حسرات، فإنَّ هذه الكتابات التي يطبعها الطواغيت وأنصارهم من الأموال التي تسلطوا عليها؛ ممحوقة البركة، قد أطفأ الله نورها وكرّه الشباب بها، بينما نرى كتب الموحِّدين التي تتصدى للطواغيت وتفضح زيوف الشرك والتنديد، تروج بين الشباب رغم طبعاتها المتواضعة التي ينفق الموحِّدون عليها من دمائهم، فُتصوّر وتُستنسخ بالألوف وألوف الألوف، بفضل الله تعالى وحده.

وكنت أُذكرّه بقوله تعالى: ] فأمّا الزبدُ فيذهب جُفاءً وأمّا ما ينفعُ النّاس فيمكث في الأرض[.

يا أبا عاصم… إننا نكتب لندفع عن التوحيد وهم يكتبون ليلبسوا التوحيد بالشرك والتنديد..

يا أبا عاصم… إننا نكتب لنردّ النّاس إلى أوثق عُرى الإيمان وهم يكتبون ليردّوا النّاس عنها، ويُرقّعوا لأولياء الشيطان والسلطان… ومادام الأمر كذلك فلن يفلحوا إذاً أبداً.

فقد قال تعالى : ] إن شانئك هو الأبتر [ وما من شانئ لهذا التوحيد معادٍ لهذه الدعوة كائدٍ لأهلها إلا وله نصيب من هذه الآية .

والحق ركن لا يقوم لهدّه       أحدٌ ولو جُمعت له الثقلان

يا أبا عاصم… حسبنا أنَّ ما نكتبه يرضي الله ويقرّ أعين الموحدين وأولياء الدين، وأنَّ كتاباتهم ترضي أعداء الملّة وتلبس الحق بالضلال وتُرقّع للباطل وتُسوّغ الشرك وتُهوّن الكفر وتقرّ أعين المشركين وأعداء الدين…‍‍.

فلا عجب أنْ تستجلب كتاباتنا بعد هذا سخط الطواغيت وأذاهم وسجونهم… في الوقت الذي تستجلب كتاباتهم رضى الطواغيت وإكرامهم ودعمهم هم وأوليائهم بسخاء وكرم بالغين، وكلّ من له عينان يرى، ولا عجب ولا غرابة أنْ يطبعوها بأفخر الطبعات([3]) مادامت هذه الكتب قد سخّرها كاتبوها للدفع عنهم وتسويغ باطلهم وتهوين جرائمهم، وإقامة الشُبه الباطلة لعدّهم من المسلمين بل أئمّة للمسلمين وولاة أمورهم الشرعيين كما زعم منْ أعمى الله بصيرته فأعطاهم صفقة يده وثمرة فؤاده، وصار هو ومن لفّ لفيفه لهم جنداً محضرين وأنصاراً مخلصين، فكيف لا ينشرون أمثال هذه الكتب، وهي تُقدّم لهم حراسة وحماية لعروشهم أعظم مما تُقدمه لهم جيوشهم ومخابراتهم… فإذا كان الجيش يضرب بسيف السلطان فإنَّ هؤلاء العلماء العملاء ـ ولو في أعين العوام والطغام ـ يضربون بسيف الله. وهذا مكمن التلبيس والإضلال..

فالنّاس إنْ كانوا ينقادون للسلطان مخافة سيفه، فانقيادهم لسيف هؤلاء أعظم. لأنّهم يرونهم يوقعون عن الله ويتكلمون باسم دين الله ويصولون ويجولون بأدلة الشرع.

فسُحقاً سُحقاً، لمن أخلد إلى الأرض واتبع هواه، وسخّر دينه مطية لكل طاغوت:

لاشيء أخسر صفقة من عالم    لعبت به الدنيا مع الجُهّـال

فغدا يفرق دينه أيــدي سبا     ويزيله حرصـاً لجمع المال

من لا يراقب ربه ويخافــه      تبت يداه وما له مـن وال

وهذه الفتوى التي نمقها المقدّم لها وأخرجها كتاباً قرّظ له بكلام علماء الدولة السعودية وسمّاها: ( التحذير من فتنة التكفير ). وكان الأولى أنْ يُعجم الحاء لتصير خاء ويُهمل الذال لتصير دالاً ؛ هي في الحقيقة فتوى قديمة، قد طنطن حولها جهمية زماننا طنطنة كثيرة وقد طبعوها قبل مدة، ووُزعت مجاناً بعنوان: ( فتنة التكفير والحاكمية ) قدّم لها وزادها تخليطاً وتخبيطاً (محمد بن عبد الله الحسين).

يقول في مقدمته صفحة (5) عمّن يحرّضون الشباب على الطواغيت: «كان الواجب أنْ تكون الحمية دينية لا جاهلية» ثم يناقض طلبه هذا فيقول بعد أسطر قليلة: «إني أقولها للجميع إنّكم في هذه البلاد مستهدفون ـ يقصد سعوديته كما سيأتي ـ انبذوا كل دخيل عليكم، ولا تكونوا أبواقاً ينفخ من خلالكم المغرضون ومطايا يستخدمكم الحاقدون ضد هذه البلاد وأهلها وعقيدتها وصوّبوا سهامكم تجاه أصحاب المِلل الضالّة والعقائد الفاسدة الذين ما فتئوا يحاولون دائماً تشويه عقيدتكم بالطعن في علمائكم والقدح في ولاتكم» إلى أنْ يقول صفحة 6: «فإنّهم على أهل السُنّة حاقدون وعلى أمنكم وبلدكم والله متآمرون» ويقول صفحة 6: «لقد ابتليت هذه الأمّة في السنوات الأخيرة وفي هذه البلاد بالذات..» إلى أنْ يقول صفحة 8: «ولنأخذ مما يجري حولنا عِبرة ولنقرأ التاريخ الإسلامي لندرك نتائج الخصومات مع الحكومات، والاستخفاف بالعلماء والتجرؤ على الولاة، وما يحصل من الحروب والفتن بتدبير الأعداء وتهوّر بعض الفرق والجماعات، ماذا نُريد؟ ألا يعجبنا هذا الأمن الذي ننعم به ويتمنّاه كل النّاس. وتلك الخيرات التي نرفل بها ويغبطنا عليها القريب والبعيد. قد يكون هذا أمراً عادياً عند البعض لأنّهم لم يتصوّروا حال هذه البلاد قبل تطهيرها!! وتوحيدها على يد مؤسسها الملك عبد العزيز..إلخ».

ويقول صفحة 14: «أمّا العلماء الربانيون الذين قضوا أعمارهم في البحث في بطون الكتب.. إلى أنْ يقول: وهم الأكثر ارتباطاً بولاة الأمر!! أهل الحل والعقد..» إلى قوله صفحة 15: «هؤلاء في نظر البعض هداهم الله لا يدركون من مجريات الأمور شيئاً، وكل عاقل منصف يدرك أنَّ وقفتهم القوية والشجاعة في أزمة الخليج المشؤومة أكبر دليل على معرفتهم لواقع الأمور ومجريات الأحداث»!!!.

ويقول صفحة 17: «كيف يحلو لمن ينادون بإصلاح الأوضاع ألاّ تطيب مجالسهم إلاّ باغتياب ولاة الأمر من العلماء والأمراء»([4]) أهذا هو منهج السلف([5]) أهذه هي السُنّة التي أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتمسك بها قوله: (عليكم بسُنتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي([6]) عضوا عليها بالنواجذ وإيّاكم ومحدثات الأمور)انتهى.

ويكفي طالب الحق البصير في الردّ على هذه الكتب وكشف زيوفها إطلاّعه على مثل هذه العبارات فإنَّ المكتوب كما تقول العوام (يعرف من عنوانه).

أو كما قال الشاعر :

وأحسن ما في خالد وجهه           فقس على الغائب بالشاهد

ثم وبعد أنْ أورد المذكور الفتوى وتعقيب ابن باز عليها ذكر عدداً من مشاهير العصر ممن عدّهم من أهل البدع.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتاب الخقائق فى التوحيد

كتبها عكاشة ابن محصن ، في 12 أغسطس 2007 الساعة: 03:41 ص

 

كتاب الحقائق

 في التوحيد

                 تأليف

               فضيلة الشيخ

                علي بن خضير الخضير

                  عفى الله عنه وعن والديه وأهله ومشايخه وطلابه وجميع المسلمين

               القصيم  ـ  بريدة 

 قدم له فضيلة الشيخ العلامة حمود بن عقلاء الشعيبي

حفظه الله ورعاه  

 بسم الله الرحمن الرحيم

  تقديم سماحة الوالد العلامة الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،وبعد:

 فإن التأليف والتدريس والشرح في كتب التوحيد والعقيدة من أهم الأمور و أعظمها ،

لأن هذا العلم هو من أفضل العلوم  قال تعالى (فاعلم أنه لا اله إلا الله واستغفر لذنبك ) ولاسيما في هذا العصر الذي اشتدت فيه الغربة وكثر فيه الجهل بالتوحيد والعقيدة إلا من رحم الله ، فنشرها الآن والاهتمام بذلك من أعظم القرب والجهاد ،

 لاسيما في هذا الزمن الذي بدأنا نسمع فيه الدعوات والصيحات من هنا ومن هناك في التزهيد في كتب التوحيد والعقيدة لاسيما في كتب الإمام  العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وفي كتب ورسائل أئمة الدعوة المباركة ،

ولقد اطلعت على مؤلفات فضيلة الشيخ علي بن خضير الخضير الثلاثة  في مجال التوحيد وهى كتاب الجمع والتجريد في شرح كتاب التوحيد الجزء الأول  ،وكتاب الحقائق في التوحيد ،وكتاب التوضيح والتتمات على كشف الشبهات ،فوجدتها كتب مفيدة ونافعة في بابها ،

فنسأل الله تعالى أن يكتب لها القبول والتوفيق ،

كما أحث إخواننا المسلمين  على الاهتمام بالتوحيد والعقيدة تعلما وعملا ودعوة ففي ذلك الفضل العظيم والنصر المبين ،

نسأل  الله أن ينصر دينه ويرفع رآية التوحيد والجهاد وأن يخذل أعداء هذا الدين

 إنه ولى ذلك والقادر عليه ،وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،

         أملاه فضيلة الشيخ العلامة        

                                     حمود بن عقلاء الشعيبي 

                    الختم      

بسم الله الرحمن الرحيم

 نبذة مختصرة عن حياة المؤلف العلمية :

الاسم :علي بن خضير بن فهد الخضير ولد عام 1374 هـ في الرياض ،

تخرج من كلية أصول الدين بجامعة الإمام بالقصيم عام 1403 هـ

مشايخه وطلبه للعلم :

 بدأ طلبه للعلم في شبابه  منذ أن كان في مرحلة الدراسة الثانوية و أول بدايته كانت في دراسة القرآن تلاوة وتجويدا على يد فضيلة الشيخ عبد الرؤوف الحناوي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته

 ومن أوائل من طلب عليهم العلم أيضا قبل دخوله للكلية  فضيلة الشيخ علي بن عبد الله  الجردان ، وفضيلة الشيخ القاضي محمد بن مهيزع ( وكان من كبار القضاة وقت الشيخ محمد بن إبراهيم ) رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته،   

 وممن تتلمذ على أيديهم أيضا غير ما سبق  من العلماء :

4ـ سماحة الوالد العلامة الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي وفقه الله وحفظه ورعاه ،وجزاه الله خيرا عن الإسلام والمسلمين ، درس عليه في التوحيد والعقيدة وغيرها من الفنون الأخرى ولا يزال إلى الآن في الدراسة عليه والتعلم

5ـ فضيلة الشيخ محمد بن صالح المنصور رحمه الله وأسكنه فسيح جناته  درس عليه أربع سنوات من عام 1409 هـ إلى أوائل عام 1413 هـ في التوحيد والفقه والفرائض والحديث والنحو ،

6ـ فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ،درس عليه أربع سنوات من عام 1400 هـ إلى عام 1403 هـ في الفقه ،

7ـ فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الله آل حسين وفقه الله وحفظه ورعاه ،درس عليه في الفقه ،

 8 ـ فضيلة الشيخ الزاهد محمد بن سليمان العليط ،قرأ عليه في كتب الزهد ( كتاب الزهد لوكيع  ،والورع لأحمد بن حنبل ) رحم الله الجميع ،

9ـ كما أنه أثناء دراسته في الكلية درس على مجموعة من العلماء الأجلاء وفقهم الله وأعانهم وحفظهم ورعاهم ،ورحم من مات منهم ،

دروسه العلمية :

وله حلقات و دروس علمية يقوم بتدريسها  في التوحيد والعقيدة والفقه ، وكانت أول دروسه العلمية في المساجد عام 1405 هـ  في الفقه ومصطلح الحديث وكان عدد الطلاب لا يتجاوز الخمسة ،ومنها استمر في التدريس والتعليم إلى وقتنا الحاضر  ،

ودروسه العلمية يومية وغالبا ما تكون بعد صلاة الفجر ،وبعد صلاة العشاء

وتتلمذ على يديه العديد من طلبة العلم في الداخل والخارج  تخرج منهم  قضاة ودكاترة ومدرسين ودعاة وطلبة علم ، ولعله أن يأتي وقت مناسب إن شاء الله لذكر أسمائهم ،

مؤلفاته وكتبه :

أغلب مؤلفاته مذكرات متداولة بين طلابه وغيرهم في التوحيد والفقه ،

ومن كتبه المطبوعة ، هذا الكتاب الذي بين أيدينا كتاب الحقائق في التوحيد ،وكتاب الجمع والتجريد في شرح كتاب التوحيد ،وكتاب التوضيح والتتمات على كشف الشبهات ، وكتاب المحكي فيه الإجماع من الأحكام الفقهية ،

نسأل الله عز وجل أن يوفقه ويحفظه ويبارك فيه ويغفر له ولوالديه و أهله ،

وأن يحفظ ويوفق مشايخه الأحياء وأن يغفر ويرحم لمشايخه الأموات ،

وأن ينصر الإسلام والمسلمين وأن يعز الجهاد والمجاهدين وأن يخذل أعداء هذا الدين ،

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 0

 

            كتبه أحد طلاب الشيخ     

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ،

 فهذا كتاب يسر الله جمعه يدور حول حقيقة الإسلام والشرك والكفر ويُذكر فيه  أسماء الدين وأحكامه والفرق بينهما واجتماعهما وافتراقهما وحقيقة قيام الحجة و حقيقة المسائل الظاهرة والخفية والفرق بينهما والأصول والشرائع  وما يتعلق بذلك بأدلتها من الكتاب والسنة والإجماع وعند الحاجة نذكر أقوال بعض العلماء لما فيها من الفائدة حسب اطلاعنا وما تحصّل لنا مع التقصير ، وأكثر الخطأ اليوم هو عدم التفريق بين ذلك ،

 قال ابن تيمية رحمه الله (وقد فرق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام وجمع بينها في أسماء وأحكام ) الفتاوى 20/37 ، وقال ( ومعرفة حدود الأسماء واجبة ، لاسيما حدود ما أنزل الله على رسوله ) ، 

وقال ابن جرير رحمه الله في تفسير سورة الأعراف عند آية 30 ( وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادا منه لربه لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد وفريق الهدى فرق وقد فرق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية اهـ

 وقال الشيخ عبد اللطيف رحمه الله في منهاج التأسيس ص12 (وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة مثال ذلك الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان والجهل بالحقيقتين أو أحدهما أوقع كثيرا من الناس بالشرك وعبادة الصالحين لعدم معرفة الحقائق وتصورها ) اهـ

 وقاله والده عبد الرحمن في رسالة أصل دين الإسلام ( فإن من فعل الشرك فقد ترك التوحيد فإنهما ضدان لا يجتمعان ) ،

وقال الشيخ عبد الله ابا بطين (ومما يتعين الاعتناء به معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله لأن الله سبحانه ذم من لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله فقال تعالى  (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) رسالة الانتصار ،

وهذا الكتاب مشتمل على عشرة أقسام كل قسم له أبواب و أحيانا فصول في الأبواب الطويلة من باب التسهيل والتبسيط ، وعدد أبوابه 69 بابا ، وقد يسر الله أن مافي أبواب الكتاب ليس بالمتن القصير ولا بالشرح الطويل وإنما بين ذلك 0

وأقصد بالحقيقة ماهيّة الشيء وكنهه والأصل فيه ،

 

وقد فوضت دار الصديق للطبع والنشر والتوزيع بطبع هذا الكتاب وغيره من الكتب التي يسر الله كتابتها  ،

نسأل الله التيسير والإعانة وأن يتمم المقصود سبحانه وتعالى وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم 0 

 كتبه : علي بن خضير الخضير

القصيم ـ بريدة                         

 الختم بتوقيعه   

القسم الأول

كتاب  حقيقة الإسلام والشرك

1ـ باب حقيقة الإسلام

 قال الله تعالى ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ) الآية

وقال تعالى ( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون  )

و قال تعالى (ومن أحسن دينا  ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ) الآية ،

 وفي الحديث (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا اله إلا الله ) الحديث متفق عليه من حديث عمر رضى الله عنه 0

فصل

وقال تعالى  (فاعلم أنه لا إله إلا الله ) وروى مسلم رحمه الله  من حديث عثمان رضى الله عنه  (من مات وهو يعلم أنه لاإله إلا الله دخل الجنة )

وقال تعالى (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) الآية وفي الحديث ( أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا  لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة00 )الحديث، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضى الله عنه  

وقال تعالى  (إ نما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ) وفي الحديث (لا يلقى الله بهما شاك فيهما إلا دخل الجنة ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضى الله عنه  

 وقال تعالى (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) وفي الحديث (من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة )رواه أحمد من حديث معاذ رضى الله عنه

 وقال تعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشدوا حبا لله  ) وفي الحديث (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما )الحديث  متفق عليه من حديث أنس رضى الله عنه ، 

 وقال تعالى (إنهم كانوا إذا قيل لهم لاإله إلا الله يستكبرون ) وفي الحديث (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) رواه مسلم من حديث ابن مسعود رضى الله عنه  

وقال تعالى( فادعوا الله مخلصين له الدين ) وفي الحديث ( فإن الله حرم على النار من قال لاإله إلا الله يبتغي بذلك وجه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الزناد فى شرح لمحة الاعتقاد

كتبها عكاشة ابن محصن ، في 12 أغسطس 2007 الساعة: 03:28 ص

 

الـــزنـــــاد

فـي شـــرح

لــمــعــة الاعــتــقــاد

 

للإمام

موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة

رحمه الله 

( 541ــ 620 )

 

 

 

شرح

فضيلة الشيخ

علي بن خضير الخضير

 

 

 

 

 

 

 

 

( مقدمة )

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد .

 فقد يسر الله شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة رحمه الله  ( 541ــ 620 ) .  

وأردت من هذا المساعدة حسب القدرة والاستطاعة في شرح اللمعة ، وذكر بعض القضايا المعاصرة  ، والربط بذلك ،  وسميته الزناد من باب أنه مساعد ومعين على الفهم والتقريب , ومن معاني الزند المساعدة والإعانة ،  قال ابن منظور رحمه الله في لسان العرب 3/196 ( تقول لمن أنجدك وأعانك : ورت بك زنادي ) .

نسأل الله التوفيق والإعانة .

 وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

كتبه : علي بن خضير الخضير

القصيم ــ بريدة 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نبذة عن مؤلف لمعة الاعتقاد

 

هو عبد اللَّه بن أحمد من ذرية عمر بن الخطاب ، وهو قرشي عدوي ، ولد قبيل منتصف القرن السادس تقريباً عام 541هـ ، وتوفي عام 620هـ ، وولد في فلسطين وعاش في دمشق في الشام .

عصر المصنف :

فقد كان عصره وهو عصر النصف الثاني من القرن السادس يمتاز بثلاث ميزات :

1 - ظهور عقائد الأشاعرة في عصره وانتشارها بين الناس ، بل إن الدولة كان منهجها الرسمي في العقائد هي الأشعرية وهي دولة الأيوبيين خصوصاً صلاح الدين الأيوبي رحمه الله مع أنها كانت دولة مجاهدة .

2 - تسلط الصليبيون واستيلائهم على فلسطين وقد استولى الصليبيون على فلسطين وكان عمر المصنف رحمه الله 8 سنوات ، مما سبب هجرة أفراد عائلته إلى دمشق .

3 - وجود الرافضة قبحهم الله  في عصر المصنف وكانت لهم دولتهم في ذلك الوقت وهي دولة الرافضة العبيديين الملاحدة لعنهم الله  في مصر الذين قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وجزاه خيرا  .

وقد شارك المصنف في عصره وقام بالجهاد العلمي والتعليمي العقدي ، حيث ألّف كتباً لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة والرد على عقائد الأشاعرة التي تفشت في عصره .

مؤلفاته :

منها كتابه لمعة الاعتقاد في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات والقدر واليوم الآخر وما يتعلق فيه وما يجب تجاه الصحابة والموقف من أهل البدع.

وألف رسالة في مسألة العلو في جزأين . ومسألة العلو تعتبر من أخطر المسائل المثارة في عصر المصنف ، حيث أن الأشاعرة لا يثبتون العلو لله تعالى.

وألّف رسالة في تحريم النظر في كتب أهل الأهواء ، ورسالة في ذم التأويل ، وكتاب آخر في القدر .

والملاحظ على هذه الكتب أنها ضد الأشاعرة وتعنيهم بالدرجة الأولى كما أنها تعني أيضا المعتزلة والخوارج والجهمية .

وقد أشار إلى هذه المؤلفات ابن العماد في كتابه شذرات الذهب ، المجلد الخامس ص88.

وهذه عادة العلماء الربانيين التصدي للعقائد المنحرفة الموجودة في عصرهم وتأليف الكتب والرسائل فيها .

كما أن المصنف أيضاً شارك في الجهاد المسلح لإعلاء كلمة اللَّه وهو ما يسمى اليوم زورا بالتطرف والأصولية ، حيث خاض الجهاد ضد الصليبيين في طردهم من فلسطين وكان عضو فعّالاً في جيش صلاح الدين الذي قابل الصليبيين حتى أخرجهم من القدس .

كما قاتل العبيديين حتى قضى عليهم .

 

 

كما أن له مؤلفات في الجانب العلمي الفقهي :

منها المغني ، والكافي ، والعمدة . كما ألف في الأصول : روضة الناظر .

المسألة الثانية سبب تأليف الكتاب:

كما أشرنا سابقاً أن عصر المؤلف هو آخر القرن السادس انتشرت فيه عقائد الأشاعرة فألف هذا الكتاب للرد عليهم .

المسألة الثالثة : مقدمة المصنف :

جعل المصنف لكتابه مقدمة اشتملت على ثلاثة مواضيع نذكرها على وجه الاختصار

1 - افتتاحية المقدمة .

2 - بين طريقة السلف في أحاديث وآيات الصفات .

3 - التحذير من مخالفة طريقة السلف بما يسمى بالابتداع في الأسماء والصفات والعقائد .

وسوف نفصل ما حوت المقدمة كالتالي :

قال المصنف :

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله المحمود بكل لسان ، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان ، ولا يشغله شأن عن شأن ، جل عن الأشباه والأنداد ، وتنزه عن الصاحبة والأولاد ، ونفذ حكمه في جميع العباد ، لا تمثله العقول بالتفكير ، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير ، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ([1]) ، له الأسماء الحسنى ، والصفات العلى { الرحمن على العرش استوى . له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى . وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى}([2]) أحاط بكل شيء علماً ، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً ، ووسع كل شيء رحمة وعلماً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً } ([3])).

 

الـشــــــــــرح :

افتتح المصنف رحمه الله المقدمة بالبسملة والحمد والثناء على اللَّه بذكر بعض أسمائه وصفاته. فبدأ بالبسملة والبداءة بها سنة اقتداء بفاتحة الكتاب حيث بدأ اللَّه الفاتحة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم ، واقتداء أيضاً بكتاب نبي اللَّه سليمان عليه الصلاة والسلام : {وإنه بسم اللَّه الرحمن الرحيم } ([4]) .

الدليل الثالث ما ثبت في الصحيح من حديث أبي سفيان ([5]) حيث كتب الرسول r كتابا إلى هرقل ابتدأه بـ " بسم اللَّه الرحمن الرحيم " . هذا ما يتعلق بالبسملة.

أما الحمد له ، فالبداءة بها سنة وكان من هدي النَّبِيّ r أنه إذا افتتح الخطب حمد اللَّه وأثنى عليه كما جاء في مسلم ، ذكره جابر ([6]). أما حديث : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع " ، وفي رواية : " أبتر " . هذا حديث ضعيف، فإنه مرسل من حديث الزهري ، وقد أشار إلى ضعفه أبو داود في السنن في كتاب الآداب في أوله . هذا ما يتعلق بالحمد له .

ثم ذكر المصنف الثناء على اللَّه سبحانه بذكر بعض أسمائه وبعض صفاته وذلك بطريقتين:

1 - الثناء على اللَّه عزوجل بذكر الصفات الثبوتية والأسماء الثبوتية فذكر صفة العلم والقهر والرحمة والحكم .

2 - الثناء على اللَّه بذكر الصفات المنفية المتضمنة للكمال فنزه اللَّه عن الأشباه والأنداد وعن الصاحبة والولد ونزهه أن يكون له مثيل أو أن الناس يعرفون كيفية صفاته . هذا ما يتعلق بافتتاحية المقدمة .

والملاحظ على هذه الافتتاحية أنها اشتملت على أكثر أجناس الافتتاحيات الشرعية ، وهي ثلاث أجناس :

أ - جنس البسملة .

ب - جنس الحمد له .

جـ - جنس الثناء على اللَّه .

وبقي جنس واحد لم يذكره المؤلف وهو جنس ذكر آيات من القرآن في الافتتاحية وهي آيات التقوى الثلاثة ، وهي ما تسمى بخطبة الحاجة ، وظاهر صنيع المؤلف أنه لا مانع من الجمع بين الافتتاحيات  أو جمع أكثرها .

 

قال المصنف :

( موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم ، وعلى لسان نبيه الكريم .

وكل ما جاء في القرآن ، أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن ، وجب الإيمان به ، وتلقيه بالتسليم والقبول ، وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه والتمثيل ) .

 

الـشــــرح :

المسألة الثانية من مسائل المقدمة :

هي بيان طريقة السلف والقرون المفضلة في آيات وأحاديث الصفات ، وهي تبتدأ من قول المصنف : " موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم إلى آخر كلام الشافعي " .

ملخص هذا الكلام :

1 - أن طريقة السلف في صفات اللَّه أنهم يصفون اللَّه عز وجل بما وصف به نفسه سواء كانت الصفة بالقرآن أو فيما صح من السنة .

2 - أنهم يؤمنون بها وذكر المصنف حكم الإيمان بها وأنه واجب فقال : " وجب الإيمان به " .

3 - تلقيها بالتسليم والقبول . والتسليم : هو الانقياد وضده الترك . والقبول: وضده الرد .

4 - ترك التعرض لأحاديث وآيات الصفات أي ترك الاعتراض .

والترك يكون لخمسة أمور " أشار إليها المصنف " :

أ - هو الرد : ويقصد به الإنكار والتكذيب .

ب - التأويل : ويقصد به صرفها عن ظاهرها وعن معناها اللغوي .

جـ - التشبيه : وهو أن يقول أن صفات اللَّه تشبه كذا مما هو معروف عند الناس.

د - ترك التمثيل للصفات : أي لا يقال صفات اللَّه مثل كذا والفرق بين التشبيه والتمثيل :

أن التشبيه هو تشبيه الصفات بأن يجعلها تشبه كذا ، أي أن هناك شبه في بعض الوجوه بين صفات اللَّه وصفات المخلوقين .

أما التمثيل : أن يقول أن صفات اللَّه مثل كذا تماماً ، والمثلية أن يكون مثله في كل شيء .

أما التشبيه فيكون مثله في بعض دون بعض .

هـ - عدم التعرض لكيفية صفات اللَّه عز وجل .

هذه هي طريقة السلف في صفات اللَّه وهي طريقة مجمع عليها عند السلف وهي جارية في كل صفة من صفات اللَّه ، وتنطبق عليها الأمور السابقة الأربعة التي قبل هذا التقسيم .

وذكر الدليل الذي يدعم طريقة السلف السابقة ويتمثل استدلاله بثلاثة أشياء:

1 - إما آية .

2 - أو قول إمام من أئمة السلف وهو الإمام أحمد .

3 - أو قول إمام من أئمة السلف وهو الإمام الشافعي .

نأخذ الآية { والراسخون في العلم } :

الشاهد من الآية : { يقولون آمنا به } : وقولهم آمنا به يشمل التسليم والقبول. ومن مقتضى الإيمان وصف اللَّه بما وصف به نفسه ، وتدل أيضاً بالإلزام على ترك خمسة أمور في الصفات ، وهي :

الرد - التأويل - التشبيه - التمثيل - التكييف .

فشملت هذه الآية طريقة السلف : بالتضمن والمقتضى واللازم .

وقبل الدخول في الدليل الثاني نحتاج إلى التعليق على بعض كلمات قالها المصنف :

 

قال المصنف :

 { وما أشكل من ذلك ، وجب إثباته لفظاً ، وترك التعرض لمعناه ، ونرد علمه إلى قائله ، ونجعل عهدته على ناقله ، اتباعاً لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى اللَّه عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى : {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} ([7]) ، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا اللَّه } ([8]) فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم ، ثم حجبهم عما أمَّلوه ، وقطع أطماعهم عما قصدوه ، بقوله سبحانه : { وما يعلم تأويله إلا اللَّه }

 

الــشــــرح :

التنبيه الأول :

قول المصنف : ( وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه). هذه الجملة انتقدها الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله في فتاويه خصوصاً لفظة " إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه " .

وقال : إنه قد يفهم منها التفويض في الصفات ، وهو أنه يثبت الألفاظ ويجهل المعنى ولا يوجب التعرض له بمعناه .

وقال : الأولى ترك هذه اللفظة الموهمة مع أنه ذكر أن المؤلف سلفي المعتقد وليس بمفوض " اهـ .

وكلام الشيخ محمد بن إبراهيم صحيح لو أخذت هذه الكلمة وعزلت عن السياق . أما من يقرأ ما قبلها وما بعدها يدرك أن المصنف أراد ترك التعرض للكيفية، ولذا قال : وما أشكل من ذلك .

والمراد بالمشكل هنا : هي كيفية الصفة ، وأما كيفية الصفة فلا يتعرض لمعناها التكييفي ، ولفهم كلام المصنف أكثر لابد من تفسير الآية التي استدل بها المصنف { وما يعلم تأويله إلا اللَّه والراسخون في العلم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي